Wednesday, November 11, 2009

لماذا تطالب الحكومة المصرية بعودة الآثار المسروقة ولا تطالب بعودة رفات عبد الله النديم ؟




الموّال
..
يا لولا دقة إيديكى ما انطرَق بابى

طول عمرى عارى البدن.. وإنتى جلبابى
.
ياللى سهرتى الليالى يونّسِك صوتى

متونِّسة بحسّ مين يا مصر فى غيابى؟
.......
أدباتى أراجوز نديم أهلى وخلانى

زجّال مهرِّج مركّب صوتى فى لسانى

وصحيت لقيتنى اعرفك وإنتى عارفانى

جرّانى من موكب الضايعين وحطانى

على أعلى منبر يهزِّك صوتى ولسانى

ياللى فطمتى النديم ردّيه صغير السنّ

بسكّت الجرح يسكت ينطق التانى

الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى
■ ■ ■

أثارت وزارتى الثقافة والخارجية المصريتين جلبة واسعة حول ضرورة اعادة بعض الآثار التى تم سرقتها من قبل بعض لصوص الآثار والتى تم عرضها بمتحف اللوفر فى باريس، وصرح زاهى حواس الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار بوقف التعاون مع متحف اللوفر حتى عودة الآثار المسروقة، ووقف اعمال بعثة اللوفر فى مصر، وصدر بيان عن متحف اللوفر يعلن فيه أنه بصدد اعادة هذه الآثار।
إن قصة سرقة الآثار المصرية قديمة ومكررة، منذ زمن عهود الفراعنة وحتى الآن، وقصص لصوص المقابر قديمة قدم الفراعنة، ولكن الطريف هو اهتمام الفاتحين العرب بالإستيلاء على ما تحتويه هذه المقابر الفرعونية، ومنها اصدار عمرو بن العاص اول والى على مصر فى عهد عمر بن الخطاب مرسوما بمعاقبة اى مصرى يخفى كنزا أو "خبيئة" مما توجد فى باطن الأرض، وتسليمها له، بل الأطرف ما قام به الخليفة المأمون بن هارون الرشيد على الرغم من عظم ثراء الدولة العباسية فى هذا الزمن، من استقدام عمال مدربين لإحداث فتحة فى هرم خوفو بقصد الحصول على كنوز الفرعون الموجودة به، هذه الفتحة التى ما تزال توجد وتستخدم حتى الآن باسم فتحة المأمون.
ولكن النهب الأكبر والمنظم تم فى القرن التاسع عشر، وخاصة بعد صدور كتاب "وصف مصر" بواسطة علماء الحملة الفرنسية، حيث بدأ اهتمام الغرب المكثف بالآثار المصرية، وبدأ المغامرون والأفاقون والتجار فى أكبر عملية نهب منظم لهذه الآثار تحت سمع وبصر الحكومات المتعاقبة منذ حكم محمد على وحتى الآن، ويجادل البعض بأن بقاء هذه الآثار فى متاحف العالم المختلفة مفيد من حيث أن الملايين يشاهدونها ليدركوا أهمية هذه الآثار وعظمة وتفوق تاريخنا الغابر وأنها أفضل وسيلة لجذب السائحين لزيارة مصر، ولكن هذا لا ينفى أهمية العمل على إسترداد هذه التحف الأثرية الى بلادنا للعرض فى متاحفها الأصلية ويمكن عرض نماذج منها بشكل منظم فى مختلف البلدان، ولعل وجود المسلات المصرية شامخة فى أهم العواصم العالمية دليلا على هذه العظمة، وعلينا العمل بإستمرار على إعادة هذه الآثار الى مصر وعلى رأسها رأس نفرتيتى المعروضة فى متحف برلين وحجر رشيد القابع فى متحف لندن.
هذه القضية بالرغم من أهميتها لا تنفى قضية أخرى مهمة وهى السعى لحث الحكومة المصرية على المطالبة بعودة رفات النديم ليدفن فى أرض مصر مسقط رأسه والتى أفنى عمره دفاعا عنها وفى سبيل تحررها ونهضتها.
ولد عبد الله النديم بقرية الطيبة بمحافظة الشرقية عام 1845 وتربى وترعرع بمدينة الأسكندرية التى إنتقل اليها والده للعمل بترسانتها حيث كان يعمل نجارا، وقد لمح ابوه فيه علامات النبوغ فألحقه بمسجد ابراهيم بالأسكندرية ليتلقى العلوم الدينية ولكن اهتمام الفتى بالأدب جعله يتجه الى كتابة الشعر والزجل واهمال الدراسة الدينية ليتحول بعدها الى دراسة التلغراف هذا الوافد الجديد وذلك ليكتسب صنعة يتعيش منها، ثم عمل فترة فى مكتب للتلغراف بمدينة بنها بعدها انتقل للعمل فى قصر الوالدة باشا أم الخديوى إسماعيل، حيث اعطاه وجوده فى القاهرة الفرصة ليتعرف برجالات الأدب والفن والثقافة ولكن روحه المتمردة على الوظيفة سرعان ما أدت به الى الإصطدام بالرجل القوى فى القصر "خليل أغا" و أدى ذلك الى فصله من وظيفته، فيذهب الى المنصورة ليعمل فى التجارة، ولا يستقر بها طويلا حيث يتنقل بين عدة مدن فى الدلتا ليستقر به المقام أخيرا بالأسكندرية مرة أخرى فى عام1876 إبان صعود الحركة الوطنية لينخرط فى أتونها وينضم الى منظمة وطنية سرية متطرفة عرفت بإسم "مصر الفتاة" تطرح مشروعا للإصلاح الوطنى والدستورى، وينشط فى الكتابة فى الصحف التى بدأت فى الإنتشار فى عهد الخديوى إسماعيل داعيا الى تحرير الارادة المصرية من ربقة النفوذ الأجنبى، ويشارك فى تأسيس "الجمعية الخيرية الإسلامية" ويتولى إدارة مدرستها بالأسكندرية وينشأ حركة مسرحية بالمدرسة ويقوم بتأليف وعرض العديد من المسرحيات منها مسرحيته "الوطن" ويساهم فى تأسيس الحزب الوطنى الذى سيقود حركة الكفاح المصرية خلال العقود المقبلة.
وفى صيف سنة 1881 أصدر الرجل صحيفة أسبوعية أسماها " التتكيت والتبكيت " انتهجت خطا وطنياً واضحاً وأسلوباً أدبياً ساخراً وكان عبدالله النديم مهموماً فى صحفيته بقضية وحدة الوطن واستنهاض همة أبناءه للارتفاع بشأن البلاد وقد تواكب صدور الصحيفة مع أحداث الثورة العرابية فكان من الطبيعى أن ينضم عبدالله النديم إلى صفوف الثورة العرابية ويساند أهدافها الوطنية وقد وجد العرابيون فيه سنداً لهم بكتاباته الوطنية الحماسية وانتقل النديم إلى القاهرة ليكون فى قلب الأحداث والتقى بأحمد عرابى زعيم الثورة حيث طلب منه أن تكون صحيفته لسان حال الثورة بشرط أن يغير اسمها إلى اسم أكثر وقارا يلائم عقلية عرابى العسكرية المحافظة وأصدر عبدالله النديم صحيفة " الطائف " من القاهرة لتحل محل " التنكيب والتبكيت " ولتصبح لسان حال الثورة العرابية وخلال أسابيع قليلة أضحت الطائف أهم الصحف المصرية على الإطلاق.
وخلال الثورة العرابية أو كما يسميها العوام "هوجة عرابى" برز إسم النديم كخطيب للثورة، يلعب الدور الأبرز فى تحريك مشاعر الجماهير والجنود، ويلف البلاد طولها بعرضها محركا ومهيجا وخطيبا لها، والمعبر الأول عن أفكارها.
وبعد انكسار عرابى وفشل الثورة هرب النديم هائما فى قرى مصر وصقوعها متخفيا فى عدة شخصيات يحتمى بالبسطاء من أبناء هذا الشعب فى قصة هروب ملحمية طويلة، لمدة تسع سنوات كاملة قضاها بين أحضان الشعب الذى حماه بالرغم من رصد قوات الإحتلال مكافأة ضخمة (عشرة الآف جنيه ) لمن يدلى بمعلومات تؤدى الى القبض عليه، هذه القصة التى سجلها الكاتب العبقرى للراحل "ابو المعاطى أبو النجا" فى روايته الفريدة العودة الى المنفى، لينتهى به المطاف فى طنطا ويتم القبض عليه وعرضه على وكيل نيابة وطنى هو الشاب وقتها "قاسم أمين" الذى يعانقه ويقبله فى مشهد من أروع مشاهد الوطنية المصرية.
أحب النديم الشعب فأحبه الشعب، وحماه بنور العين حتى أن الكثيرين ممن التقوا بالنديم في تلك الفترة وعرفوه ترفعوا عن الصغائر، ولم يبلغوا عنه، بل ساعدوه على قدر الإمكان، بل أكثر من هذا كان بعض المسئولين في جهاز البوليس يتسترون على النديم إيمانًا بالثورة وحبًا في النديم كإنسان أيضا، فمأمور مركز السنطة يقابل النديم وجهًا لوجه ولا يقبض عليه مخاطرا بوظيفته كمأمور، بل ويمنحه مالا من جيبه ليساعده في هروبه، وكاتب مركز السنطة أيضًا،- وكان النديم مختفيًا في قرية الجميزة مركز السنطة- يعرف أين يوجد النديم فيكتب إليه أبياتاً من الشعر تقول
ولقد نذرت إذا لقيتك سالما لأقبلن مواطئ الأقـــدام
ولأثنين على سجاياك التي حثت على التحرير والإقدام
وبعد القبض على النديم فى طنطا أمر الخديوى توفيق بالعفو عنه لإنقضاء العقوبة ونفاه الى عكا بفلسطين وبعد تولى الخديوى عباس حلمى الثانى الحكم عفا عنه فعاد الى مصر واصدر صحيفة "الاستاذ" ذات الروح الوطنية مما أوغر عليه صدر اللورد كرومر المعتمد البريطانى فيؤمر بنفيه الى الأستانة ، وهناك يواصل نضاله الوطنى ويصاب بمرض السل ليموت وحيدا ويدفن هناك.
تلك الرحلة الطويلة لرائد فذ من رواد الحركة الوطنية المصرية وهب حياته وروحه حتى آخر رمق فى حب هذه الأرض والدفاع عنها ضد سيطرة الأجنبى ورأس المال عليها.
وأخيرا أليس من حق مصر أن تطالب بعودة رفات النديم ليدفن فى أحضان هذا الوطن الذى أعطاه حبه وحياته دفاعا عنه، فى إعتقادى أن حكومة السيد أردوغان لن تمانع فى عودة رفات هذا البطل ليعاد دفنه فى حفل شعبى ورسمى يليق به، أم أنها فقط تطالب بعودة الآثار المسروقة وتنسى تاريخ واحد من أبطال مصر العظام القائل:

أهل البنوكا والأطيان
صاروا على الأعيان أعيان
وابن البلد ماشي عريان
ممعاه ولا حق الدخان

Monday, October 26, 2009

اسكندرية


اسكندرية مارية
عروسة حلوة وصبية
عالبحر الابيض تنوّر
تضوى كما الكهرمان
والحب يملا المكان
ويعدى كل البحور
ينشر حضارة ونور
فى كل عصر وأوان
وبسحر عينها الشقية
تسبى عموم الخلايق
من الصعيد للمضايق
والمستخبّى يبان
وبكف ايدها العفية
تزرع غيطان المحبة
وتخّلى ورد الحدايق
بعطره يملا المكان
يطرح على الانسانية
ضل ومحبة وأمان
يا اسكندرية يا روحى
يا حب ساكن جروحى
ارمى السلب الحقينى
دا نا غريق من زمان
أنا قتيلك وقلبى
شايل حمولك معبّى
والعشق لو حوصفولك
يفتح جميع البيبان
يام العيون الجريئة
يا مالكة كل الحقيقة
من يوم ظهور الخليقة
لحد آخر الزمان
قوليلى وصفة لدائى
تنفعنى يوم التلاقى
ماللّى مضى واللّى باقى
من عمر عدى وكان
بنتاؤور

Friday, October 02, 2009

الحب المستحيل


وكان عليك أن ترحل
وتنسانى
وتتركنى لأحزانى
وتنسى ان تكون عرفتنى يوما
وعشنا وهم قصة حب
عليك الآن أن تنسى
وتمحو كل ما قد كان فى الماضى
وتنساه وتنسانى
فمثلك بُعده أفضل
ومثلك يستحيل العيش فى قربه
وظل الحيط أفضل منك
إذن فارحل ولا تبقى هنا لحظة
فكل الحب كان سرابْ
وأكذوبة
فدعنى كى أعيش الآن
وفك إسار أغلالى
أغرد فى الهواء الطلق
وأحلم بالحياة بدون قيد منك
أو غيرك

Thursday, September 24, 2009

ذكريات هزيمة


كان ذلك فى صيف 1967 حين وقعت الكارثة، التى زلزلت كل الواقع العربى، وسببت وما تزال تغيرات عميقة الجذور فى جيل بأكمله، تلك التى سماها هيكل لعبد الناصر" نكسة"، محاولة منه للتخفيف من هول ما حدث، ربما سعيا منه لتخفيف المسؤولية عن أصفياؤه من سدنة الثورة ، بإدعاء أن شعوبا كثيرة قبلنا تعرضت لما هو أخطر، على كل حال تلك قصة أخرى ربما أعود اليها وتحتاج لأكثر من مقال ولكن فى ظرف آخر.
كان العام الأول لى بمدينة الأسكندرية، كنا فى نهاية العام الدراسى ( إعدادى طب) فى كلية العلوم بالشاطبى، ذلك الحى الراقى الهادئ، كنت وزميل الطفولة جمال عبد الفتاح نسكن معا بشارع تانيس بكامب شيزار، كان الوالد يرسل لى عشرة جنيهات شهريا يقتطعها كما يقولون من اللحم الحى، أدفع منها أربعة للسكن، وتبقى ستة جنيهات للمأكل والملبس ومصاريف الدراسة، كنا نطوى أوراق الدراسة إستعدادا لإمتحان نهاية العام حينما بدأت الأحداث بالتصاعد، عبد الناصر يؤمر بإغلاق خليج العقبة فى وجه الملاحة الإسرائيلية، طلب مصر الى الأمم المتحدة بسحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء، حشد القوات المصرية فى سيناء، تصاعد محموم فى المواقف والتصريحات، ونذر الحرب تلف المنطقة.
الحشد الإعلامى يتصاعد الى الذروة، المعنويات فى السماء، الأغانى الثورية تملأ المكان، " أحلف بسماها وبترابها"، " عبد الناصر ياحبيب ..بكرة ندخل تل أبيب"، " فى البحر حنحدفكم فى البحر"، وصوت أحمد سعيد يجلجل فى صوت العرب، رسائل التأييد تنهال على عبد الناصر، فجأة يصل الى القاهرة الملك حسين بعد طول عداء، يوقع اتفاقية بوضع قواته المسلحة تحت تصرف عبد الناصر، ويعود الى الاردن بصحبة عدوه اللدود أحمد الشقيرى رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، كانت القناعة الوحيدة لدى الجميع بنصر حاسم وسريع وإزالة الكيان العنصرى،واعتبار ان هذه الحرب مجرد نزهة.
كان نظام السكن المفروش للطلبة بالأسكندرية من شهر سبتمبر الى نهاية شهر يونيو، ويترك الطلبة السكن فى أشهر الصيف لكى يستمتع به أصحابه أو يؤجرونه مصيف، كانت امتحانات الجامعة لهذا العام تنتهى قبل منتصف يونيو، كنا خمسة أفراد بالشقة، أنا وجمال فى غرفة، الثانية بها طالبين من بورسعيد، أما الثالثة فكان فبها موظف فى شركة المقاولين العرب من قريتنا اسمه "عبدالله الحاذق"، آثر الزملاء فى الشقة أن نغادرها فى منتصف الشهر تقليلا للمصاريف، بحيث يتم دفع إيجار نصف شهر فقط، وافق البواب (المؤجر)على ذلك، ولكن فى صباح 5 يونيو إشتعلت الحرب، وأعن توقف الدراسة والإمتحانات، قرر الزملاء مرة أخرى الرحيل المباشر الى مدنهم وقراهم، تم إستدعاء البواب على عجل، ودفع ايجار الخمسة أيام، وغادروا مسرعين، بينما قررت البقاء.
فى الطريق الى الجامعة كانت المظاهرات صاخبة، كلما إقتربت من مبنى الإعدادى بالقرب من مبنى اتحاد طلاب الجامعة بالشاطبى كانت التجمعات تكبر والمظاهرات تزداد حدة، انضممت الى احدى المظاهرات، كانت الشعارات المرفوعة تزداد هستيرية مع كل اعلان عن اسقاط طائرة اسرائيلية جديدة، بلغ العدد المعلن عنه 75 طائرة، الحناجر تزداد التهابا، أنزلت الجموع احد المتظاهرين الذى يردد" عبدالناصر يا حبيب..بكرة حندخل تل أبيب" ورفعت آخر أكثر إستعجالا يردد"عبدالناصر يا حبيب..دلوقتى إحنا فى تل أبيب"، توجهت الجموع وأنا معهم الى الداخل لتسجيل الأسماء فى كشوف التطوع، تم تقسيم المتطوعين الى مجموعات، جاء إسمى فى مجموعة للتدريب بمبنى مدرسة النصر للبنين بالشاطبى.
كان عددنا حوالى الثلاثمائة ويقوم على تدريبنا عميد من الدفاع المدنى مع عدد من الضباط والصف ضباط، تم تسليمنا بنادق آلية، وذخيرة حية، وبدأ تدريبنا النظرى على فك وتركيب البندقية مع دراسة مكوناتها، مع محاضرات نظرية عن المقاومة الشعبية، وبرامج تعبئة معنوية، بعد يومين تم تقسيمنا الى مجموعات صغيرة للقيام بالحراسة الليلية لبعض المنشآت الحكومية، كانت مجموعتى مكلفة بحراسة مصنع بيرة الأهرام"ستيللا" بكامب شيزار.
كنا مجموعة مختلفة المشارب والإنتماءات، وكان معنا متطوعون من الطلبة العرب الدارسين فى مصر، لكن تجمعنا معا الروح الوطنية المتوقدة، والرغبة فى تقديم اى شيئ من أجل المعركة، بعد مرور اليوم الثانى بدأت بعض الأخبار غير المطمئنة، حديث عن الإنسحاب الى خط الدفاع الثانى، كلام عن صد هجوم اسرائيلى مدرع شمال العريش، بدأت الهواجس والأفكار تحوم حول شيئ ما غير طبيعى يحدث، لكن العقول المفعمة بالحماس والواثقة من قيادتها حتى النخاع تأبى أن تصدق هذه الإشارات، لابد أن هنالك شيئ ما يدبر لا نعلمه، ربما ما يحدث تكتيك حربى سرعان ما نعرف كيف تم التخطيط له، لكن بقى فى النفس شيئ.
يوم الثامن من يونيو سهرنا حتى الصباح أيضا، قضينا ليلتنا فى الشارع فى نوبة حراسة، حاول البعض كسر حدة الموقف ببعض السمر، لكن البهجة تجمدت فى العيون، سرعان ما لف الجميع نوبة صمت.
فى اليوم التالى إستمرت التدريبات فى المعسكر، كان الجميع يتحرك بآلية، دون القدرة على النظر فى عيون بعضنا، توقفت الإذاعة والتلفزيون عن القاء البيانات العسكرية الحماسية، بدأت تذاع أغانى وطنية ومارشات عسكرية، أغانى معظمها تمجد الروح الوطنية مثل"مصر التى فى خاطرى" و"وقف الخلق جميعا" لأم كلثوم، و مثل "وطنى أحببتك يا وطنى" و" أخى جاوز الظالمون المدى".
فى حوالى الثالثة بدأ يذاع بيان يتكرر كل دقائق عن حديث للرئيس عبد الناصر فى الثامنة مساءا، بدأت القلوب ترتجف، كان خيط الأمل الضعيف الباقى أن يعلن الإنتصار العظيم على إسرائيل، بدأ قائد المعسر فى التهيأة للحدث، طلب منا التجمع فى قاعة التلفزيون للإستماع الى الخطاب، منذ السادسة بدأنا فى التحولق جميعا حول الشاشة الصغيرة، لم يتأخر عن الموعد، أطل بوجه مكفهر مهزوم، بصورة لم نتعودها سابقا، وبعبارات حزينة وصوت مجروح ليعلن الهزيمة، وكما سماها وحاولوا ترويجها "النكسة"، وليعلن عن تنحيه وتكليف"زكريا محيى الدين" برئاسة الجمهورية، لحظتها بدأ جميع الحاضرين بالنحيب بصوت مسموع، سرعان ما تحول النحيب الى عويل، حدثت حالات إغماء، وحاول أحدهم إطلاق النار على نفسه، لكن قائد المعسكر تصرف بشكل حازم ومسئول، بصوت عال وحاسم خاطب الجميع، أن يتوقفوا عن هذا الإنفعال ويتصرفوا كرجال، وطلب منا أن ننتظم فى طابور العلم، حيّا العلم وهتف بحياة الجمهورية العربية المتحدة وبحياة رئيسها زكريا محيى الدين، كانت أصوات الناس فى الشوارع تعلو، وسمعنا أصوات مظاهرات من بعيد، أدرك قائد المعسكر الموقف، قال اننا لا نعرف ما يحدث الآن فى الشارع، ولا نعرف ردود فعل الناس، ربما يحاولون الهجوم علينا للحصول على السلاح، وطلب منا الإنصراف فى هدوء، وتجنب السير فى الشوارع الرئيسية خوفا من غضب الجماهير، على أن نعاود التدريب صباح الغد.
سرت فى شوارع الأسكندرية حاملا بندقيتى على كتفى فى طريقى الى البيت، الشوارع مظلمة تماما لحظر الإضاءة، هدير الجماهير ينساب من كل الجهات، الصراخ يختلط بالعويل بالهتاف بالبكاء، حالة من الهيستيريا لا يمكن وصفها، وشعور بالتعب والإرهاق والإعياء يسيطر على، فكرة واحدة تلح على بقوة، هذا الرجل هو المسئول عن كل ماحدث، فليذهب الى الجحيم، لقد خدعنا جميعا ولا يمكن أن يخدعنا ثانية.
وصلت الى المنزل فى شارع تانيس، الشارع مظلم، البيت مظلم، السلالم مظلمة، أجّر قدمى بالبيادة الثقيلة على السلم، أتحسس ثقب المفتاح فى الظلام، أدلف الى الشقة مغلقا الباب بقدمى، أتقدم الى غرفة نومى، ألقى بنفسى على السرير بملابسى الميرى والحذاء، وأنهار فى بكاء طويل.
لا أعرف كم من الوقت بكيت، ولا متى غلبنى النوم، فتحت عينى على نور النهار يملأ المكان، وصوت المظاهرات فى الشارع لا ينقطع، شعرت برأسى ثقيل، وضعت رأسى تحت الحنفية لمدة، تحركت ببطأ لألبس ملابسى، وجدتنى فى محطة مصر، ركبت القطار عائدا الى قريتى.

Thursday, June 18, 2009

دكان شحاتة .. والواقعية المصرية


لاشك أن ما يصنعه "خالد يوسف" وكوكبة من السينمائيين المصريين يعد فتحا جديدا فى تاريخ السينما المصرية والتى تجاوز عمرها المائة عام.
فكما شق روسيللينى وفيسكونتى ودى سيكا الطريق الى الواقعية الإيطالية فى أربعينيات القرن الماضي والتى تميزت بنزوعها نحو تصوير الواقع كما هو بأدوات إنتاجية بسيطة وبممثلين فى الأغلب غير محترفين والتى نزعت الى التصوير الخارجي أو الميداني.
على أن سمات هذا الشكل الواقعي الحديث فى السينما المصرية هو اختفاء اللقطات الطويلة الثابتة والديالوجات الطويلة لحساب سرعة حركة الكاميرا وتطور المونتاج, كما لم يعد للرقصات والأغاني الطويلة مكان وصار الإعتماد أكثر على الكليب المصور مع خروج الكاميرا أكثر ورصدا حركة الشارع فيما يشبه اللقطات التسجيلية والوثائقية, وكذلك التجرؤ على المحرمات الثلاث ( الجنس والدين والسياسة ), وقد شق هذا الطريق باقتدار المخرج العالمى يوسف شاهين فى مرحلته السينمائية الأخيرة, وأكمله مجموعة متميزة من المخرجين الشبان وعلى رأسهم خالد يوسف والذى ما زال يغرد بعيدا على القمة, مستفيدا من إمكانية حرفية عالية, وتوظيف لهذه الإمكانيات بأعلى درجة, مع رؤية درامية منسجمة مع فكره السياسى الذى يعلنه بصراحة ووضوح دائما, وإقتحامه المباشر للأحداث الساخنة والملغومة بجرأة يحسد عليها, مع إستفادته من مستوى عال من التأليف السينمائى لناصر عبد الرحمن, الذى كتب له سلسلة أفلامه الأخيرة ومنها "دكان شحاتة". ومع متابعتنا لشريط الفيلم نجد أن أعلى منطقة فيه هى الربع ساعة الأولى مع نزول تتر الفيلم ومانشيتات الصحف واللقطات الثابتة للأحداث السياسية والإجتماعية التى مرّت بها مصر منذ نهاية عصر السادات وبدأ الشريط بالعنبرة فى السجن احتفالا بخروج شحاتة بعد انتهاء سجنه, وبخروج "شحاتة" وصدمته الأولى بإقتحام الجياع لقطار يحمل شحنة قمح مع عجز الأمن المركزى عن التدخل, تبدأ الدهشة أو الصدمة الأولى بحجم التغيير.
على أن خالد يوسف كعادته فى أفلامه السياسية الأخيرة ( فوضى وميسرة) يحاول أن يحشد كل ما يشغله من موضوعات وما يراه من مشاكل فى شريط واحد, هذه المشاكل التى تتعلق بانهيار القيم وتدهور الإقتصاد والتخلف الإجتماعى, متمثلا ذلك فى انهيار الخدمات الصحية (وفاة أم شحاتة, مرضى الأورام...), والتعليم (تحرش الأساتذة بالطالبات والدروس الخصوصية....), العنف ضد المرأة (مشهد فض بكارة بيسة, ميراث المرأة...), الفساد السياسى (تزوير الإنتخابات, التطبيع...), الإنهيار الإقتصادى والقيمى (بيع مياه الشرب بالقرى, معارك الخبز....), وعشرات الموضوعات (العبّارة, الدويقة, حريق مسرح بنى سويف, اقتحام معبر رفح, حريق قطار الصعيد, أحداث الأمن المركزي...).
تم حشر كل هذه الموضوعات وغيرها الكثير من خلال فيلم حوالى الساعتين متناولا مساحة زمنية تمتد من 1981إلى 2013 حيث ينتهي الفيلم بصورة شديدة السوداوية لعمليات قتال بالجملة فى الشوارع يشارك فيها الجميع ضد الجميع بالأسلحة البيضاء, فيما يشبه الحرب الأهلية, وبطريقة تبشر بالخراب القادم فى الأعوام القليلة القادمة بطريقة شديدة التشاؤم مع عدم رؤية أى بصيص ضوء فى نهاية النفق.
يرمز المؤلف والمخرج بالطبع بالدكان الى مصر, والتى تركها الأب أمانة فى يد أبنائه, ليبيعها ابناؤه الأشرار بواسطة الغير(ابن الدكتور مؤنس) القادم من وراء المحيط (أمريكا؟), الى عدوهم, ليرتفع عليها العلم الإسرائيلى كسفارة للإسرائيل فى مصر, بعد أن استلبوا ميراث أخوهم الطيب واغتصبوا خطيبته.
والفيلم عبارة عن خلطة مكثفة من العنف والجنس كتوليفة تجارية ناجحة تم استخدامها بتقنية عالية لإحداث أكبر فرقعة وجذب المتفرج الى شباك التذاكر, الجنس الذى جسّدته أحدى اشهررموز الإغراء فى العالم العربي (هيفاء وهبي ) بطريقة مقحمة ومفتعلة, مثل الرقصة الخليعة لخطيبها وهى البنت الصعيدية أو الحلم الذى جمعهما فى السرير معا.
كما كان للعنف والمعارك المجانية وغير المبررة نصيب كبير فى الفيلم, استعرض فيها المخرج مواهبه الفنية بطريقة مبالغ فيها, فهذا الإنسان الطيب الى حد البلاهة "شحاتة" يفاجئنا بإمكانيات قتالية غير عادية, لا ندرى متى وأين تعلمها, حتى أن شخصية هامشية مثل" البرص" يملك أيضا مواهب قتالية استعراضية, معارك يعمد المخرج الى إقحامها على الفيلم بمناسبة ودون مناسبة.
القصة كما حاول المخرج والمؤلف الايحاء بها هى توليفة من قصة سيدنا يوسف وإخوته, وتفضيل الأب لأحد أبنائه على بقية اخوته, مما أوغر صدورهم عليه, وأشعل الرغبة فى الانتقام منه, ومن قصة قابيل وهابيل, أو الشر فى مقابلة الخير, وغيرها.
حاول خالد يوسف فى هذا الفيلم كما فى أفلامه السابقة أن يؤكد وجهة نظره السياسية, وهى وجهة نظر أحادية الجانب وساذجة, وملخصها أنه بوفاة عبد الناصر وصعود السادات الى السلطة أنهار كل شيء, الاقتصاد والسياسة والقيم والأخلاق, والذى لم يدركه أنه وبرغم الفروق بين الرجلين الا ان الثانى هو امتداد للأول بصورة أخرى, وأن التطور التاريخى عملية معقدة لا تتم بشكل مباشر ولكن بشكل حلزوني صاعد, عموما ليس هذا مجال التنظير, ولكن احتفاظ الأب بصورة عبد الناصر, ومحاولة الابن أن يغطى بها الشرخ الذى أحدثه السادات فى جدار مصرولكن الشرخ كان أكبر من أن تغطيه صورة الزعيم , ومشهد شحاتة وهو ينظر الى صورة عبد الناصر فى ويقول(وحشتنى قوى يا بوى).
عموما يحسب لهذا الفيلم الكاميرا الجميلة والمتقنة لأيمن ابو المكارم, وكذلك ديكور حامد حمدان الذى جسد من خلال الدكان والقصر فى صور متقابلة وحقيقية, أما التمثيل فقد أجاد محمود حميدة فى دور الأب حجاج, وغادة عبد الرازق فى دور الأخت المغلوبة على أمرها نجاح, وأعجبنى كذلك صبرى فواز فى دور "طلب",أيضا رامى غيط فى دور " البرص", كما لعبت موسيقى يحيى الموجى وغناء أحمد سعد دورا شديد الحيوية فى الفيلم , كما كان لأشعار "جمال بخيت الرائعة والتى فاجئتنا بقوتها وقسوتها معا دورا أساسيا فى إكمال الإحساس بالواقعية المجردة..
سقطت هيفاء وهبى فى أول إختبار لها على الشاشة, وعموما فقد وظّفها المخرج كعنصر إغراء وجذب الى شباك التذاكر, ولكنها لم تستطع أن تملأ هذا الدور, شتان بينها وبين الفنانة المبدعة هند رستم فى أعمال مثل "باب الحديد", ولكن مما يحسب لهذه الممثلة أنها تحاول رغم محدودية موهبتها أن يكون لها مكان على الساحة الفنية, من خلال ذكائها الإجتماعى واستغلال إمكانياتها الجسدية, كما كان عمرو سعد أشبه بالبلهاء والمغيب عن الواقع المحيط به, ولم يقنع أحدا بدور الطيبة الذى حاول المخرج أن يرسمه له, بل كان أشبه بالمتخلفين عقليا, وجاء تقليده لأحمد زكى فى المشاهد الأخيرة باهتا.ا.
كذلك فإن تصميم المخرج أن يجعل من فنان جيد مثل عمرو عبد الجليل بلياتشو أو مهرج من حيث طريقة النطق بكلمات مقلوبة وغير مفهومة تماما كما صنع معه في فيلم حين ميسرة هو شيئ سيئ ويحسب عليه وليس له.
كما أن لقطة الدراويش فى حلقة الذكر وتشتيتهم البصرى بسيقان هيفاء وهبى لم يكن لهذه اللقطة داعى, وكان من الأفضل حذفها فى المونتاج مع عدم التأثير على الفيلم.
على أن الفيلم ومخرجه حاولا أيضا أن ملامسة ميلودراميات يوسف بك وهبى ان يحاول إستدرار الدموع فى مشهد النهاية, استكمالا لتيمة الفيلم التجارية.
على أن الفيلم بمحمله جيد ويعد نقطة هامة فى تطور السينما, وعلامة مضيئة على السينما الجديدة فى مصر.
خلاصة القول فإن الشجر المثمر وحده هو ما يتعرض للقذف بالأحجار, ولولا أن هذا الفيلم جاد وجيد لما استحق كل ذلك الجدل.
فى النهاية خالد يوسف شكرا.

Tuesday, June 16, 2009

جريشة..حكاية بطل شعبى




دائما ما يحلم الفقراء بالمخلّص, البطل القادم من وراء الغيب, الذى ينتقم لهم من ظالميهم, ويأخذ لهم بثأرهم من مغتصبيهم, وقد إبتدعت الشعوب هذه الشخصيات الأسطورية منذ أقدم العصور, أوزوريس في الأسطورة الفرعونية, وجلجامش في البابلية, وشمشون في الميثالوجيا التوراتية, وهرقل في الأسطورة اليونانية, وأبو زيد في تغريبة بني هلال, والأمثلة لا نهاية لها.
وفى الحلم الشعبي فإن البطل دائما قريبا منهم, من نفس مستواهم االطبقى, وهو دائما يمثل الخير فى مواجهة الشر, و الذي ينتصردائما فى النهاية .
على أن بطلنا هذه المرة هو بطل حقيقي, وليس من صنع الفقراء, إنه إنسان بسيط من سكان حي كرموز الشعبي بمدينة الإسكندرية, لم يتعلم فى مدرسة أو جامعة, بل علمته الحياة بكل مرارتها وقسوتها, وتعلم من الشارع ومن ظلم البشر, الغريب أن هذه الحياة القاسية التى عاشها لم تجعل منه انسانا عدوانيا , بل عاش حنوا على أبناء منطقته جميعا, فقيرهم وغنيهم, ضعيفهم وقويهم, بلا تمييز ولا إستثناء.
عاش "جريشة" يتيم الأبوين, لم يكفله أو يربيه أحدا, نشأ كنبت شيطانى, يحن عليه البعض ويركله البعض بأقدامهم, عرف ليالى الجوع الطويلة, نام فى برد يناير على الرصيف, وتعرض لكل أنواع الإيذاء والتحرش,
وتعلم أن ينتزع لقمته من فم الذئاب, اشتغل فى أحط وأدنى الأعمال, فى الخدمة بالمنازل, وفى مسح الأحذية, وفى جمع القمامة وغيرها.
عندما شب عن الطوق بدأ بسرقات صغيرة, كاسيت سيارة, ثياب من على حبل غسيل, لكنه لم يتجرأ على النشل, أو سرقة البيوت, إلى أن عرف طريق الجمرك, وبدأت السرقة من السفن الراسية بالميناء تستهويه, لامست فيه روح المغامرة والمخاطرة والمكسب السريع, سرعان ما على صيته وسطع نجمه, وأصبح واحدا من لصوص الجمرك المشهورين.
تعرض لملاحقة رجال الشرطة, ودخل سجلاتهم كمسجل خطر, أصبح مطاردا, وتحولت حياته الى هارب, فى النهار يعيش فى حيّه ومنطقته محاطا بالناس, وينام بالليل فى مقابر العمود القريبة, والتى تتحول ليلا الى أوكار لعتاة المجرمين, لاتجرأ الشرطة الدخول اليها.
الناس هنا لاتعتبر السرقة من الجمرك خروجا على القانون, بل هذا النوع من اللصوص فى نظرهم أبطالا, أصبح جريشة أشبه بالبطل الشعبى "روبن هود" يوزع حصيلته من السرقات على أبناء منطقته, واشتهر بينهم بالطيبة, يضفى حمايته على الجميع, يحمى بنات حيه من مضايقات الطفوليين, ويحمى سكان المنطقة من عدوان الأراذل, أشبه بعاشور الناجى فى حرافيش "نجيب محفوظ", يحتمى بالفقراء ويحميهم.
فى إحدى الليالى حضرت حفلا شعبيا فوق سطح أحد البيوت هناك, سبوع مولود أقامه قهوجى من المنطقة, كان جريشة ورفاقه حاضرين, عندما بدأ المطرب الشعبى بالغناء, إعتلى جريشة الخشبة, وأمسك بالميكروفون وسط تهليل الجميع (
النقطة دى من جريشة, ومن كل حرامية الجمرك, الرجالة الى بتخطف الجنية من ماسورة البندقية , وأخذ يرمى بالعملات الورقية الكبيرة تحية للفرح وأصحابه.
كان نشاطه بالليل, وفى النهار تراه جالسا على مقهى فى الحى, يوزع ابتساماته وتحياته على الجميع, عندما يشاهد أطفالا يلعبون الكرة الشراب سرعان ما ينزل للعب معهم, وفى نهاية الماتش يشترى صينية بسبوسة, أو صندوق كوكاكولا يوزعه عليهم, وإذا شاهد بائع خس أو فجل يشترى منه كل ما معه, ويوزعه على السكان مجانا।
لم يكن يؤذى أحدا, أو يضمر شرا لأحد, حكى لى "عبد المجيد الخولى" أحد فلاحى "كمشيش" فى سنوات الإبعاد, أنه إشتغل خفيرا لمخزن مواد بناء, وفى إحدى الليالى قبيل الفجر جاءه شخص وحياه, عرّفه بنفسه, كان هو جريشة, قال له أنه بصراحة يمر ببعض الظروف وأنه جاء لسرقة حديد تسليح من المخزن, ولا يريد أن يتعرض له بسوء, بعد حوار قصير اقنعه اعبدالمجيد أنه بفعلته هذه سيضّره, رجع عما إنتواه, وسهر معه ليلتها حتى الصباح
عندما عين للمنطقة ضابط مباحث جديد عرف عنه القسوة والعنف, كان هذا الضابط مصمما على الإيقاع بلصوص الجمرك فى منطقته, حاول أكثر من مرة أن ينصب كمينا لجريشة لكنه فشل, كان جريشة كالثعلب شديد الإحتياط, إحتال الضابط عليه عن طريق إحد البنات الائى يصاحبهن, إستطاعت أن تستدرجه ليلا من المقابر, لم يكن فى نية هذا الضابط القبض عليه, عاجله برصاصة فى رأسه, سكنت بين عينيه
إنطلق الخبر فى شوارع كرموز بسرعة البرق, (جريشة قتلوه), وفجأة وبدون ترتيب إنطلق صراخ النساء فى البيوت, ونزل الرجال والأطفال الى الشوارع, شكلوا مظاهرة كبيرة الى نقطة "الفراهدة" فأحرقوها, ثم إستدار المتظاهرون الى قسم "كرموز" ليشعلوا فيه النار, يحكى لى صديق من سكان الحى أن أمه السيدة الكبيرة التى لم تكن تنزل الى الشارع, نزلت فى هذا اليوم تولول وتهيل التراب على رأسها.
أعلن حظر التجول بالمنطقة, ونزلت قوات الأمن المركزى الى الشوارع للسيطرة على الوضع, قبض على العشرات ورحّلوا الى سجن الحضرة بدون تحقيق, وإكتست المنطقة كلها بالسواد, وفى الجنازة تم القبض على جميع المشاركين, أعلن رفاقه على قبره أنهم سينتقمون من قاتله, ونصّبوا شقيقه "العربى" خليفة له.

قصيدة لم تكتب فى رثاء "جريشة" :

الفاتحة له
عاش.. زى دكر النحل
مات ..زى دكر النحل
نعشه.. يدوبك ع الطريق فايت
باع عمره للكيف والضيوف
كان كل من حياه صديقه
وصحابه يغديهم بلحم الكتوف.

فى جنازته بكيت فيه بنات الحارة
لبست عليه سعدية توب الحداد
وعاصت الندابة بالطين القديم جبهتها
- سعدية ما زالت حورية وإنت فين رايح
سعدية مين بعدك يعول بيتها

Tuesday, June 09, 2009

غنائيات



الأرض دى بتطرح نخيل عملاق
وشجر عفى.......وسنابل
الشمس تغرب, هيه ما تنطفى
لكن ما بال فيها الرجال
نشفهم الخوف...والهزال...
مرّت سنين صبر وسنين حكمة وسنين إرغام
وما تزال السطوة كل السطوة للحكام
ولا يزال الطيبين يتكربجوا
فى حلمهم بمكان تحت الشمس
* * *
يا بلاد رمتنا للأسى والموات
ما عادشى حتى للسكات طعمه
لإننا بنموت فى نفس اللحظة ميت مرّة

إمتى الرجال الناشفة تنفض خوفها
وتقف تكتل صفوفها
كفى, أضمه لكفوفها
نهد ونقيم من جديد
بلاد
بلاد بلا سجن وبلا جلاّد
بلاد بلا سادة وعبيد
* * *
يابلادى
والإصباح عيون وأيادى
إذا ما عدّى ع الوادى
حيزيح قصاده كل ليل ميت

تتفتح الأبواب
تدب الرعشة فى عروقها لنور الشمس

حنغنى
كما لو كنا بنغنى لأول مرة
ونحب
كما لو كنا ما حبينا بالمرة

يتقابلوا الأصحاب من بعد غيبة طويلة
نفس الإدين المعروقين
نفس العيدان النحيلة
اللى حترسم من جديد
سكة حياة للوطن

شعر محمد سيف

Sunday, June 07, 2009

سلطنة عمان..وتوليفة التسامح


لمدة تزيد عن 20 عاما عملتها فى سلطنة عمان, أدّعى أننى قد كونت خبرة ليست قليلة عن هذه الدولة الفتية, ولا أزعم أن ما تراكم من خبرات كله إيجابى, الا أن أكثر ما أثار إنتباهى هى هذه التوليفة العبقرية للتسامح تجاه الذات والآخر التى تشكل نسيجا عضويا فى التركيبة العمانية.
بداية فإن الواقع العمانى يتركب من فسيفساء عرقية وإثنية ومذهبية وقبلية شديدة التعقيد, وذلك بسبب الخلفية التاريخية التى تحكم هذا المشهد, فقد احتل البرتغاليين بقيادة البوكيرك عمان فى بدايات القرن السادس عشر واستمر هذا الاحتلال حتى قيام دولة اليعاربة بقيادة الامام "ناصر بن مرشد" الذى إستطاع وابناؤه من بعده طرد النفوذ البرتغالى من سواحل عمان وطاردوه فى الساحل الافريقى وسواحل الهند وفارس.
وبقيام حكم اسرة البوسعيديين بقيادة "أحمد بن سعيد" عام 1738م وإستخدام تسمية السلطنة بدلا من الإمامة بدأت الدولة العمانية فى الإستقرار وتوقفت النزاعات الداخلية, وتم بناء اسطول بحرى قوى استطاع السيطرة على المياه فى المحيط الهندى وتثبيت سيطرته على الساحل الإفريقى فى زنجبار ومومباسا, وبوفاته ونشوب الصراع بين أبنائه على السلطة قويت شوكة الإمامة مرة أخرى وإشتعلت الحروب ليعود نظام الإمامة حينا والسلطنة أحيانا حتى توقيع إتفاقية السيب عام 1920 بوساطة انجليزية والتى تم بمقتضاها تقسيم البلاد بين عمان الساحل تحت سلطة السلطان وعاصمتها مسقط وعمان الداخل تحت سيطرة الأئمة وعاصمتها نزوى. وفى عام 1932م اعتلى الحكم السلطان "سعيد بن تيمور" والذى أكمل تعليمه فى الهند, وفى عهده استمر تدهور الأوضاع واحتدام الصراع مع نظام الإمامة وأغلقت البلاد عن جوارها مع وجود نظام حكم أوتوقراطى بالغ فى استبداده وتخلفه ليحظر على المواطنين الصحف و الراديو والتدخين ومنعهم من التعليم أو السفر او حتى من بناء بيوتا لهم.
فى ظل هكذا أوضاع كان لابد أن تنفجر البلاد ويثور الناس, فعمت الصراعات لتشمل الساحل والصحراء, الشمال والجنوب, الحضر والريف,
واندلعت الثورة فى ظفار.
كانت ظفار وهى أقصى الأقاليم فى جنوب البلاد تحت حكم السلطان اسميا, ولكنها كان دائما لها درجة عالية من الخصوصية وتتمتع بنوع من الحكم الذاتى, وسكانها حادى الطباع, ذوى انفة وعزة نفس, يسمونهم فى عمان "الجبّالة" لسكناهم الجبال, وكانوا دائمى التمرد على المركز, وكان السلطان "سعيد بن تيمور" يقيم بصفة شبه دائمة فى صلالة, وكانت زوجته والدة ابنه قابوس من قبيلة ظفارية, ناهيك عن إعتدال مناخها, وبعدها عن المشاكل فى مسقط.
ولكن فى عام 1963 تجمعت فى هذا المكان ثلاث منظمات صغيرة متمردة فى هى " حركة القوميون العرب"و "الجمعية الخيرية العمانية" و "منظمة الجنود الظفاريين" ليندمجوا معا مشكلين (الجبهة الشعبية لتحرير ظفار) ذات الميول اليسارية, والتى خاضت حربا لا هوادة فيها ضد نظام الحكم بتأييد من الصين ثم الإتحاد السوفيتى والنظام الشيوعى الحاكم فى عدن, وبعض الأنظمة الراديكالية العربية, لتستطيع الجبهة السيطرة على أجزاء كبيرة من اقليم ظفار ولتحاصر السلطان فى مدينة صلالة.
وقد لاقت هذه الجبهة تأييداً واسعاً من مختلف القطاعات نتيجة حالة البؤس والحرمان والضنك الذي كانت تعيشه البلاد. وقد حققت أفواج هذه الثورة انتصارات كبيرة وكادت تقضي على السلطان سعيد بن تيمور فى محاولة إغتيال.
فى ظل هذه الأوضاع المتردية إستطاع الإبن الأوحد للسلطان سعيد أن يدبر إنقلابا على أبيه من داخل سجنه ( كان سعيد بن تيمور قد سجن ابنه قابوس فور عودته من دراسته العسكرية بكلية "ساند هيرست" فى لندن خوفا منه ولإستشعاره ان له ميولا فكرية مع ثوار ظفار).
بعد توليه الحكم في 23 تموز 1970بادر السلطان قابوس إلى جعل اسم «سلطنة عمان» الإسم الرسمي لدولته، وعمد إلى نهج سياسة جديدة قائمة على إزالة كل مظاهر التخلف الشديد التي طبعت عهد السلطان سعيد، والانفتاح على العواصم العربية والأجنبية. وأراد أن يخرج الجيش العماني من مأزقه، فطلب دعماً من الأردن، ثم من المملكة العربية السعودية، وكذلك من باكستان، وفي عام 1973 أرسل شاه إيران حملة عسكرية من آلاف الجنود (مزودة بطائرات هيليكوبتر وسفن حربية)، فنزل قسم منهم في صلالة عاصمة ظفار. وبدأت المعارك مع الثوار. وفي أقل من سنتين، تمكن السلطان قابوس مع هذه القوات من القضاء نهائياً على هذه الثورة الوليدة وليعلن إنتهاء الثورة المسلحة بشكل نهائي فى 1975م وتطوى صفحة ناصعة من النضال الثورى شارك فيها عشرات المتطوعين من الدول العربية.
وقد أعلن السلطان قابوس خلال هذه الفترة أكثر من مرة العفو العام (1972) وحاول صادقا استيعاب خصومه فى جهاز الدولة مثل الدكتور رجب حافظ سلامة من زعماء الجبهة أول وزير للزراعة (إن لم تخوننى الذاكرة) ويوسف بن علوى الذى ما زال يشغل حقيبة الخارجية حتى الآن وكان قائد فصيل الجمعية الخيرية العمانية قبل الإندماج لتشكيل الجبهة.
كما استطاعت سياسة التسامح الحكيمة لجلالة السلطان ان تستوعب الخصوم من جبهة الإمامة وتم تعيين عدد من الولاة والسفراء منهم كما تم تعيين الشيخ العلامة" أحمد الخليلى" على رأس السلطة الدينية كمفتى عام للسلطنة.
على أن أهم ما ميز هذه السياسة هو القدر الواسع من التسامح الدينى, فبالرغم من اعتبار المذهب الإباضى هو المذهب الرسمى للدولة (وهو من أقدم المذاهب الإسلامية ويتسم بالتشدد, وتم الإعتراف به فى ملتقى العالم الإسلامى كثامن المذاهب الإسلامية*), إلاّ أن السياسة الدينية بوجه عام تجاه المذاهب الإسلامية الأخرى ظلت متسامحة الى أقصى الحدود, خاصة تجاه المذاهب السنية الأربعة التى يدين بها معظم أهل عمان.
كما يحظى الشيعة فى عمان وهم أقلية دينية بتمثيل واسع فى جهاز الحكم وفى المجتمع, ويتم الإحتفال بأعياد الشيعة على أعلى مستوى, ويرفع الآذان من على مآذن مساجدهم (أشهد أن محمدا رسول الله, وأشهد أن عليا أمير المؤمنين ولى الله).
كذلك يتعايش المجتمع مع البهائيين بحب وتسامح, يحيون أعيادهم بحرية ويمارسون شعائرهم فى محافلهم بنفس الحرية, كما تكتب ديانتهم فى الجوازات والبطاقات دون أدنى حساسيات.
حتى المسيحيون يؤدون صلواتهم فى كنائسهم بدون مشاكل, وترتفع أجراس الكنائس شاهدة على ذلك, و أصحاب الديانات الأرضية كالهندوس يمارسون طقوس حياتهم بكل حرية, لا يتدخل أحد فى ما يؤمنون به.
كما أن عبيد وإماء الأمس يحيون أحرارا ويشاركون فى بناء وطنهم دون تمييز أو طبقية, يشغلون أعلى المناصب فى الجهازين المدنى والعسكرى.
بالله عليكم الا يستحق أن نوجه تحية إحترام وتقدير لهذا الشعب وقيادته.
المذاهب الإسلامية المعتمدة هى أربعة مذاهب للسنة وثلاث للشيعة بالإضافة للمذهب *

Sunday, May 31, 2009

الهجّالة


فى أرياف مصر تعرّف المرأة التى تترمل عن ذرية, وترفض الزواج من أجل تربية أولادها بالهجّالة, وتبدأ هذه المرأة فى التحول شيئا فشيئا فى جميع النواحى النفسية والجسمانية والإجتماعية لتشبه الرجال, فى الشكل الخارجى ينفرد جسمها, وتمشى بخطوات واسعة, ويبدأ صوتها فى الإخشنان, وتنمو لها شعيرات خفيفة تحت الأنف وعلى الذقن (ربما هى نفس الشعيرات التى كانت تزيلها عندما كانت زوجة), وفى مظهرها الخارجى ترتدى زيا أشبه بملابس الرجال منه بالنساء, فبدلا من الجلابية الفلاحى تلبس ما يسمى ب"الملس", وهو لباس أسود فضفاض من القماش الخشن, مشدود على الرقبة, لا يشف ولا يصف, وتلف رأسها بقطعة من القماش تسمى "لاسة" بدلا من المنديل أبو أويه.
وفى الجانب الإجتماعى تتغير شخصيتها وسلوكها كثيرا, فتبدأ فى التعامل مع الآخرين بطريقة رجالية, وخصوصا فى عملية الفلاحة والزراعة, تقوم بنفسها بمباشرة العمل فى الحقل, والإصرار على إنتزاع حقها فى الدور والمناوبة, تتناوب العمل مع الرجال فى الأعمال الشاقة, وتتولى حراسة أرضها وحماية بيتها من الدخلاء, وعلى الجانب الآخر تكون هذه المرأة محترمة ومهابة من الرجال, الذين يحاولون بشكل غير مباشر مساعدتها والأخذ بيدها.
أعرف سيدة ريفية بدأت رحلتها مع هذا النمط "الهجّالة" مبكرا, وذلك عندما أصيب زوجها بمرض عضال أقعده لسنوات, وكانت خلفتها من البنات هن الأكبر عمرا, والذكور كانوا فى المراحل الأولى من التعليم, ولما طال مرض الأب ويئسوا من شفاؤه, بدأت هذه المرأة تمارس دور الأب والأم معا, وحملت على عاتقها هموم الأسرة وتربية الأولاد, كانت تتعامل مع الأنفار(عمال الزراعة) وتتابعهم وتحاسبهم, تذهب بنفسها الى سوق المواشى لتبيع وتشترى, ويرتفع صوتها بالفصال فى مواجهة تجار المحاصيل, وتحمل الغذاء ظهرا الى الأنفار فى الحقل.
يذكر لى إبنها الأصغر(وكنا أطفالا) كيف مات أبوه, وكان قد إشتد به المرض, وهم يتناوبون السهر لرعايته, والإستعداد لرحيله (أحد مظاهر هذا الإستعداد فى الريف المصرى أن تقوم نساء الأسرة بتربية الخميرة إستعدادا للخبيز عندما تتأخر الحالة الصحية للمريض), وفى الليلة الموعودة التى أسلم الأب فيها الروح كانوا ساهرين بجانبه, وكانت الأم تضع رأسه فى حجرها, وفجأة أصدر صوتا خشنا من صدره, فمالت الأم على أذنه اليمنى تقرأه الشهادتين, وبعدها أنزلت رأسه ببطأ من على رجلها لتوجهها الى القبلة, ولتسبّل عينيه, وتسدل الشال الأبيض على وجهه.
كان الوقت حينها قد تجاوز منتصف الليل بساعات, والفجر يقترب, وبدأ نحيب البنات يتحول الى نهنهة لها صوت, وفى هذه اللحظة إستفاقت الأم سريعا وانتفضت ثائرة, ناهرة الجميع, ووجهت حديثها الى البنات طالبة منهن ان يتوقفن فورا عن البكاء, وأن يقمن بتحضير الإفطار, وأصرت أن يفطرالجميع لأن امامهم يوما طويلا, وبعد أن فرغوا من إ فطارهم الإجبارى وتناول الشاى, أطلقت العنان للبنات أن يصرخن ويولولن.

لم يمض سوى أقل من إسبوع عندما شوهدت الحاجة "زهرة" تحمل الفأس على كتفها متوجهة الى الحقل.

Saturday, May 30, 2009

النقاب والتحرش



النقاب
يعرف الفقهاء النقاب بأنه ما تستر به المرأة وجهها, كما يعتبره أغلبهم بأنه غير ملزم للمرأة المسلمة شرعا إرتداؤه, بل يرى البعض ومنهم فضيلة المفتى "على جمعة"إن النقاب “ليس بواجب”، وأن زى المرأة الشرعي شروطه معروفة، وهي ألا يصف مفاتن الجسد، ولا يشف، ويستر الجسم كله عدا الوجه والكفين، مشيرا إلى أن المالكية أفتوا بأن النقاب مكروه بدليل حظره في الإحرام للحج . ولكنه تجاهل إعتبار النقاب ثيابًا شرعية يتأرجح بين الوجوب والندب وأن النقاب في رأى الجمهور هو عادة زيادة في العفة والفضل.
ولكن مالم يذكره فضيلته أن بقية فقاء المذاهب الأربعة قد أفتوا بشرعية النقاب بدرجات مختلفة, معتدين بنص الكتاب وحجية الحديث وذلك بعموم قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) [الأحزاب:59]، أما العجوز والمرأة الشوهاء فلا يجب عليها النقاب، ولكن يستحب لها، لقوله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [النور:60].بل يجب على المرأة الاحتجاب عن أقارب زوجها أكثر من غيرهم ، لأنهم يُخشى منهم في العادة ما لا يخشى من غيرهم ، بسبب أنهم يتيسر لهم دخول البيت والجلوس مع المرأة والكلام معها أكثر من غيرهم.
ولا شك أن النقاب كان معروفاً في عهد النبي وأن النساء كنَّ يفعلنه ؛ كما يفيده قوله صلى الله عليه وسلم في المرأة إذا أحرمت : " لا تنتقب " فإن هذا يدل على أنه كان من عادتهن لبس النقاب"
وقال ابن تيمية : حكى أبو عبيدة وغيره أنها تدنيه ( اي النقاب) من فوق رأسها فلا تظهر إلاَّ عينيها, وفى رأى آخر أكثر تطرفا قال به الداعية السعودي الشيخ محمد الهبدان إن الموجود في الأسواق الآن من "النقاب "غالبا" لا يصح ارتداؤه "بحيث تظهر المرأة عينيها أو وجنتيها، وأن النقاب المشروع هو ما ذكره ابن عباس حينما قرأ آية الحجاب فغطى وجهه وعينا وأبدى عينا واحدة صغيرة وقال هذا هو لترى الطريق" .

التحرش الجنسى
التحرش الجنسى هو محاولة استثارة الأنثى جنسياً بدون رغبتها، ويشمل ذلك بالكلام أو الإشارة أو لمس مواضع حساسة من جسد المرأة, أو تعرية جزأ من ملابسها أو كشف الرجال لعوراتهم أمام النساء.
اعترفت مصريات يرتدين الحجاب أن حجابهن لم يحل دون تعرضهن للتحرشات الجنسية. وأفادت 72% من المحجبات المشاركات في استطلاع أجراه "المركز المصري لحقوق المرأة" أنهن يتعرضن لتحرشات مستمرة على الرغم من أنهن محجبات.
ماذا كانت حجة الداعين الى الحجاب، وما زالت؟ «تحجبي... تحفظي عرضك. تصوني نفسك. تكوني من الطاهرات. تكسبين قوة واحتراما. تحجبي... (او... «تنقّبي») ويصير بوسعك الخروج من البيت... هذا ما يقوله الشارع، ويكرّره الدعاة وخطباء المساجد... حتى بعد الاعتداء على المحجبات والمنقبات. لكن الذي حصل ويتفاقم حصوله هو العكس تماماً: كلما زادت نسبة الحجاب، ومعه النقاب، ارتفع إختلال الشارع، وتحول الى مكان غير آمن للنساء. والمدهش ان هذا التلازم بين الحجاب والتحرش، يأتي ضمن تلازم أعرض، بين زيادة مظاهر التدين الحالي وإستمرار تدهور الاخلاق وإنحطاطها. فكيف يمكن تفسير ذلك؟
وفى استعراض لتقرير مراسلة صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية في القاهرة" إلين نيكميير"عن المضايقات والتحرشات الجنسية التي تتعرض لها النساء المنقبات في مصرقالت "بعض النساء في مصر يقلن أن النقاب يزيد من التحرشات ضدهن", وتعتقد السائحات أن مصر هي إحدى أسوأ البلدان في العالم التي يتعرض فيها النساء للمضايقة في الشوارع – بعد أفغانستان, كما حذرت الولايات المتّحدة وبريطانيا رعاياها من النساء المسافرات الى مصر بأنهن قد يواجهن مضايقات أو تحرشات جنسية غير مرغوبه هناك. ويضيف التقرير "أن أسوأ حالات التحرش الجنسي في مصر حدثت السنة الماضية عندما احاط عشرات الرجال بإمرأتين خليجيتين منقبتين وقاموا بمضايقتهما في الشارع. وقام أحد الماره بتصوير الحادثه وبثها على موقع الأنترنيت (يوتيوب).
ويختتم التقرير بالقول( أنه بالاضافه الى السبب الديني فإن من الأسباب الأخرى التي تدعو الى حجاب المرأة فى مصرهو التمرد على الجيل السابق والرغبة في اظهار التضامن الاسلامي والظهور بمظهر الفتاة الجيدة التي تصلح لأن تكون زوجة صالحة, كما أن للحجاب أو النقاب أسباب أخرى إقتصادية وإجتماعية).
على أن التحرش بالمحجبات ناهيك عن المنقبات فى إزدياد يوما بعد يوم وهذا فى ظنى لأسباب عديدة أولها إنتشار الحجاب والنقاب فى المجتمع ليغطى رؤوس أكثر من 85% من النساء مما قلل حجم الفئة المستهدفة من السافرات وهذا ما جعل المتحرشين يوسعون من الدائرة لتشمل المحجابات والمنقبات أيضا.
كذلك فإن المنقبة تكون عادة أقل جرأة فى مواجهة الآخرين, تخاف الفضيحة, ولا ترغب فى إثارة ضجة, خاصة وهى تعلم أن المجتمع الذكورى الذى تعيش فيه ينحاز دائما للرجال( بما فى ذلك نسبة كبيرة من النساء اللائى جبلن على مبدأ الخضوع للرجال), وبالأخص فى مسائل الجنس الذى تحس فيه الأطراف الأخرى وغير المشاركة بالإنتصار والنشوة وكأنماهى طرف فى الموقف وترغب فى إسكات صوت المرأة وإذلالها, ولعلنا نتذكر هنا رائعة يوسف إدريس "سنوبز".
أن المرأة المنقبة أكثر عرضة للتحرش والمضايقة لأنها كيان غير معرّف وتميل إلى الرد بالصمت تحت تأثير العتمة القماشية.. وإن بعض من ينقصهن الوازع الأخلاقى يقمن باستغلال النقاب في إشباع نزواتهن ورغباتهن, خاصة فى الأماكن المزدحمة كالأسواق ووسائل النقل العام.
إن الغالبية من المنقبات عادة من أطراف المدن والأحياء الشعبية, وذوى الأصول الريفية والشهادات المتوسطة, وهم فى الأرجح لا يعرفون الدفاع عن أنفسهن, ولا يملكن ترف تحرير محاضر تعدى فى أقسام البوليس, ويعلمون سلفا أن لا أحد سوف يدافع عنهن بحماس وحرارة مثل الأخريات, والمثال جاهز فى موقف الفتاة الجريئة"نهى رشدى", المثقفة الأرستقراطية التى تصدت لمن تحرش بها, وتحولت قصتها الى قضية رأى عام, بالرغم من الردود الجاهزة ومحاولة البعض توجيه الإتهام لها بأنها فلسطينية وتحمل جوازا إسرائيليا, ودعوة احداهن الشباب إلى التحرش بالسائحات الإسرائيليات كنوع من المقاومة والتقرب الى الله .
على كل حال فهناك مثل فرنسى يقول أن خجل المرأة هو نصف الطريق لإيقاعها فى الرذيلة, أى سهولة إستدراجها, ولا أعرف الى أى مدى ينطبق هذا المثل على المنقبات.

Thursday, February 05, 2009

قصيدة مظفر النواب عن غزة ... كفرت باسرائيل






في الوطنِ العربيِّ
ترى أنهارَ النّفطِ تسيلْ
لا تسألْ عن سعرِ البرميلْ

والدّمُ أيضاً مثلَ الأنهارِ تراهُ يسيلْ
لا تسألْ عن سعرِ البرميلْ
والدّمعُ وأشياءٌ أخرىمن كلِّ مكانٍ
في الوطنِ ا لعربيِّ تسيلْ
لا تسألْ عن سعرِ البرميل
فلكلِّ زمانٍ تجّارٌ والسّوقُ لها لغةٌ وأصولْ

النّملةُ قطعتْ رأسَ الفيلْ
والبّقةُ شربتْ نهرَ النيل
والجّبلُ تمخّض فَأنجبَ فأراً
والفأرُ توّحشَّ يوماًوافترسَ الغولْ
والذّئبُ يغنّييا
عيني يا ليل
والحرباءُ تقولْ
بلباقةِ سيّدةٍ تتسوّقُ في باريسَ
" تري جانتيلْ "

معقول
ما تعريفُ المُمكنِ والمُتصوّرِ والمعقولْ؟
يا قارئ كلماتي بالعرضِ
وقارئ كلماتي بالطّولْ
لا تبحثْ عن شيءٍ عندي
يدعى المعقولْ
إنّي معترفٌ بجنونِ كلامي
بالجّملةِ والتّفصيلْ
ولهذالا تُتعبْ عقلكَ أبداً بالجّرحِ وبالتّعديلْ
وبنقدِ المتنِ وبالتّأويلْ
خذها منّي
تلكَ الكلماتُ
وصدّقها من دونِ دليلْ
بعثرها في عقلكَ
لا بأس
إن اختلطَ الفاعلُ
بالفعلِ أو المفعولْ
الفاعلُ يفعلُ
والمفعولُ به
يبني ما فعلَ الفاعلُ للمجهولْ

هذا تفكيرٌ عربيٌ
عمليٌ
شرعيٌ
مقبولْ

في زمنٍ فيهِ حوادثنا
كمذابحنا
ومآتمنا
أفعالٌ تبنى للمجهولْ
خُذ مثلاً
ضاعتْ منّا القدسُ
وقامتْ دولةُ إسرائيل
من المسئول
فعلٌ مبنيٌّ للمجهولْ

خذ مثلاًدبّاباتٌ ستٌ في بغدادَ
ونشراتُ الأخبارِ تقولْ
سقطتْ بغدادُمن المسؤولْ؟
فعلٌ مبنيٌ للمجهولْ

خُذ مثلاًفي الوطنِ العربيِّ
ترى أنهارَ النّفطِ تسيلْ
لا تسألْ عن سعرِ البرميلْ
والدّمُ أيضاً
مثلَ الأنهارِ تراهُ يسيلْ
لا تسألْ عن سعرِ البرميلْ
والدّمعُ وأشياءٌ أخرى
من كلِّ مكانٍ في الوطنِ العربيِّ تسيلْ
لا تسألْ عن سعرِ البرميلْ

فلكلِّ زمانٍ تجّارٌ
والسّوقُ لها لغةٌ وأصولْ
أمّا نحنُ البُسطاءُفأفضلَ ما نفعل
أن نفرحَ حينَ يفيضُ النّيلْ
أن نحزنَ حين يغيضُ النّيلْ
أن نرقصَ في الأفراحِ
ونبكي في الأتراحِ
ونؤمنَ أنَّ الأرضَ تدورُ
بلا تعليلْ

والموتُ هنا مثل الفوضى والرّيحِ
يجيءُ بلاسببٍ
وبلا تعليلْ
والحربُ هنا حدثٌ ميتافيزيقيٌ
فاعلهُ إنسانٌ مجهولْ
وضحيّتهُ أيضاً مجهولْ

هذا تفكيرٌ عربيٌ
عمليٌ
شرعيٌ
مقبولْ

في زمنٍ فيهِ حوادثنا
كمذابحنا
ومآتمنا
أفعالٌ تبنى للمجهولْ

فعلٌ مبنيٌّ للمجهولْ
عفويٌ
مثل شروقِ الشّمسِ
بديهيٌ
مثل التّنزيلْ
أمرٌ مفروضٌ
حتميٌ
وقضاءٌ مثل قضاءِ اللهِ
بلا تبديل
فعلٌ مبنيٌ للمجهولْ
وعلينا أن نصبرَ دوما
ًفالصّبرُ جميلْ

ما أسخفها تلكَ الجّملةُ" الصّبرُ جميلْ
ولدتْ جملاً أخرى تُشبهها
خُذ مثلاًالخوفُ جميلْ
الذّلُّ جميلْ
الموتُ جميل
ْالهربُ من الأقدارِ جميلْ

وجميلٌ أن يُقتلَ منّافي غزّة يوماً
مائةُ قتيلْ
وجميلٌ أن ننسى في اليومِ التّالي
فالنّسيانُ جميلْ
وجميلٌ أن تأتينا أمريكا
بجيوشٍ وأساطيلْ
وجميلٌ أنْ تحترقَ الأرضُ
فلا يبقى زرعٌ ونخيلْ
وجميلٌ أنْ تختنقَ الخيل
فلا يبقى نزقٌ وصهيلْ
وجميلٌ أنْ تتهاوى كلُّ عواصمنا
كي تبقى دولةُ إسرائيلْ

يارب كفرتُ بإسرائيلْ
وكفرتُ بكلَِ حوادثنا
المبنيّةِ دوماً للمجهولْ

ياربِّ كفرتُ بإسرائيلْ
هي وهمٌ كالنّملةِ
والبّقةِ
نحنُ جعلناها كالفيلْ
وتركناها تتدحرجُ فوقَ خريطتنا يوماً
كالفيلْ
وتدوسُ علينا مثل الفيلْ
وتدكُّ قُرانا مثل الفيلْ

ياربِّ كفرتُ بإسرائيلْ
هذا الوهمُ الملتفُّ على الأعناقِ
إذا قررنا يوماً
سوفَ يزولْ

يارب كفرت بإسرائيل
الموت لإسرائيل
الموت لإسرائيل
الموت لإسرائيل

Thursday, January 08, 2009

كلنا غزة







الغضب الساطع آتٍ و أنا كلي إيمان
الغضب الساطع آتٍ سأمر على الأحزان
من كل طريق آتٍ بجياد الرهبة آتٍ
و كوجه الله الغامر آتٍ آتٍ آتٍ
لن يقفل باب مدينتنا فأنا ذاهبة لأصلي
سأدق على الأبواب و سأفتحها الأبواب
و ستغسل يا نهر الأردن وجهي بمياه قدسية
و ستمحو يا نهر الأردن أثار القدم الهمجية
الغضب الساطع آتٍ بجياد الرهبة آتٍ
و سيهزم وجه القوة
البيت لنا و القدس لنا
و بأيدينا سنعيد بهاء القدس
بأيدينا للقدس سلام آتٍ

حماس تهزم عسكريا,,, وتنتصر سياسيا


ما زال العدوان الإسرائيلى الشرس على قطاع غزة مستمرا, الضحايا يسقطون بالعشرات يوميا, وحماس ومعها باقى الفصائل الفلسطينية ما زالت تتصدى للعدوان الإسرائيلى وتطلق الصواريخ بأنواعها على جنوب إسرائيل, وتعلن عن إحداث خسائر كبيرة بالجنود والمعدات .
وبالرغم من التفوق الهائل لآلة الحرب الإسرائيلية, وقوة النيران الرهيبة التى تملكها, والنوعية الحديثة جدا والمتطورة من الطائرات والدبابات والزوارق البحرية, كذلك التفوق في نوعية وتدريب الأفراد, فإن مقاتلى حماس والفصائل يشكلون منذ بداية الهجوم البرى إزعاجا متواصلا لقوات الاحتلال, وقدر من الخسائر لا بأس به, من القتلى والجرحى بين القوات المهاجمة, بالاضافة طبعا للتأثير النفسى والمادى لعشرات صواريخ الكاتيوشا والقسام التى تسقط يوميا على مستعمرات ومدن الجنوب الإسرائيلى.
ورغم أن كافة الأطراف فى مأزق كبير, أولها حماس والتى تلقت ضربة شديدة, وخسرت مئات من كوادرها من عناصر القوة الأمنية, وشرطة الداخلية وميليشيات القسام, ناهيك عن تدمير معظم مقراتها الأمنية والحكومية وإختفاء جميع قيادات الصف الأول والثانى فى ملاجئ مؤّمنة تحت الأرض.
أما مأزق اسرائيل فيكمن فى عجزها عن التحقيق الكامل لأهدافها المعلنة رغم تواضعها, فلا هى بقادرة على فرض شروطها من هدنة كاملة ومستمرة, ولا نشر قوات حفظ سلام أو حتى مراقبة كما فعلت فى الجنوب اللبنانى, ولا حتى ضمان عدم تهريب السلاح لحماس عبر أنفاق أو من البحر, ولا هى ايضا بقادرة ان تجعل الجماهير الفلسطينية فى غزة أو الضفة تهب ضد حماس,ولم تخطط حتى لكيفية الخروج من غزة.
الفرق بين غزة والجنوب اللبنانى, أن لبنان دولة مستقلة ومستقرة, بها تقاليد الدول المدنية, فرغم أن حزب الله هو الذى تسبب فى الحرب وذلك بإختطافه للجنديين الإسرائيليين, إلا ان الذى تفاوض على وقف إطلاق النار هى حكومة السنيورة, وذلك من خلال قرار مجلس الأمن 1701 والذي تضمن نشر قوات اليونيفيل, وانسحاب قوات حزب الله الى شمال الليطانى.
المأزق الثالث هو مأزق السلطة الوطنية الفلسطينية أساسا ومعها كل الأنظمة العربية وخاصة مصر والدول الغربية التى تحاول انهاء الحرب ووقف اطلاق النار والهدنة بين الطرفين, فأكبر الخاسرين هى السلطة الفلسطينية التى ظهرت كلاعب بدون كرة, فمحاولاتها التهدأة فى الضفة وإبعاد مواطني الضفة عن نقاط التماس لحمايتهم من بطش قوات الاحتلال يظهرها وكأنها في أضعف الظروف كأنما تقف موقفا سلبيا من ماكينة القتل الصهيونية أو أن لها مصلحة فيما يحدث, ناهيك عن تشويه صورتها وإظهارها بأنها تجرى وراء سراب المفاوضات التى ثبت بطلانها وعدم جدواها, ومحاولتها الدعوة الى ايجاد مخرج للوضع المأسوى للشعب الفلسطينى يبدو كاريكاتوريا حيث أن اللاعب الأساسى وربما الوحيد الذى يمكنه أن يقبل أو يرفض هذه العروض وهو حماس, معتبرة نفسها الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني, وأن كل المحاولات تذهب إلى العنوان الخطأ, وليس عنوان حماس.
أما وضع مصر فهو شائك وحساس, وخصوصا لكونها الجار والشقيق والقوة العربية الأكبر ديموغرافيا, وهى النافذة الوحيدة للقطاع على العالم الخارجى, وتاريخها الطويل فى القتال من أجل فلسطين, وإدارتها للقطاع لحوالى 19 سنة قبل نكسة 67 ,مما يرفع سقف التوقعات منها, ويعطى خصومها الفرصة للنيل منها بحجج وذرائع باطلة, كونها ترفض الإقرار بسيادة حماس على غزة, أو فتح معبر رفح بصفة مستمرة ولا ترفض اتفاقية تنظيم المعابر, وأيضا لوجود معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل وتبادل للسفراء كنص وارد في معاهدة السلام, فيمكن الاصطياد في الماء العكر, وتسيير المظاهرات ضد السفارات المصرية ومحاولات اقتحامها, واستئجار شاب يدعى أنه مصري لكي يحرق جواز سفره أمام سفارة مصر في بيروت, وكأن الطائرات المصرية هي التي تقصف غزة, وكأنما مطلوب من مصر الآن أن تخرق جميع الاتفاقات الدولية وأن تخرق معاهدة السلام وتنجّر في حرب مع إسرائيل لا يعرف عاقبتها إلا الله, وإلا فلتعلن حالة التهييج ضده مصر وضد قيادتها.
ينطبق هذا الحال على الجامعة العربية وأمينها العام, وجميع الدول العربية التي تسعى جاهدة إلى إيقاف نزيف الدم الفلسطيني, ووضع حد لمأساة الشعب الفلسطيني, فكل جهودهم أمام المحافل الدولية تعلق بموقف الدولة الصهيونية العدواني, أو برغبة حماس في استثمار هذا العدوان الغادر في سبيل بعض المكاسب السياسية المحدودة حتى لو سقط بضعة آلاف أخرى من الفلسطينيين قربانا على مائدة توسيع هذه المكاسب.
الأمر الآن أنه حتى لو استطاعت إسرائيل من خلال عدوانها أن تدمر جميع الصواريخ التي لدى حماس والفصائل الأخرى فباستطاعة حماس من خلال رفضها لكافة جهود التسوية أن تظهر نفسها كمنتصرة, تماما كما فعل حزب الله, حتى ولو كان الثمن تدمير كل ما تم بناؤه في سنوات, والقضاء التام على البنية التحتية في لبنان أو فلسطين, والقتل والتشريد واللجوء, طالما اختفى هؤلاء القادة الصناديد تحت الأرض, وخرجوا بعد الدمار في الإذاعات أو على شاشات التلفزة يعلنون نصرهم, وكل ما يعنيهم كسب بضعة آلاف أخرى من الأصوات في صناديقهم الانتخابية.
المشكلة تكمن في أن حماس السلطة تريد أن تتمسك بالحكم وإقامة دويلتها الإسلامية, على هذا الشريط الضيق, دونما إحساس بالمسئولية عن الشعب الذي تحكمه, طالما الرواتب وتوفير سبل الإعاشة يقوم به غيرهم من منح الاتحاد الأوروبي أو عن طريق حكومة سلام فياض التي يلعنونها ليل نهار, فقط يريدون أن يلعبوا لعبة المقاومة دون أن يدفعوا تكاليفها, ودون تحمل أية التزامات كإعلان موافقتهم على ما تم إبرامه من اتفاقيات ومعاهدات وقوانين دولية, مع رفضهم المستمر لأي محاولات صلح جادة مع فتح, وآخر حججهم أن هذا ليس وقت الجلوس معا, والبحث عن حل مشترك.
كنت أنتظر من حماس لو كان لديها إحساس بالمسئولية, عندما توجه أبو مازن ووزراء الخارجية العرب إلى نيويورك, لاستجداء قرار من مجلس الأمن تحت البند السابع يلزم إسرائيل بوقف العدوان, كنت أنتظر منها أن تعلن من غزة أو دمشق أو أي عاصمة أخرى, أنها تعتبر أبو مازن هو ممثلها وأن أي قرار يوافق عليه فإنها توافق عليه, صدقوني ساعتها كانت أمور كثيرة يمكن أن تتغير
.

Wednesday, December 31, 2008

وسيم صلاح حسين...الطفل الكبير..وداعا


نحن الذين يموت أفضلنا ليحيا الآخرون بلا دموع

تبدأ روايتنا الحزينة بالاختفاء الغامض لوسيم فى بلد الثلج موسكو, حيث كان يعيش مع زوجته وأبنائه, وذلك فى أوائل شهر يونيو 2008, وبعد رحلة بحث مضنية لشقيقه ناجى عنه فى المشافى وأقسام الشرطة دون جدوى,أبلغ والدته وحينما علمت أمهما المناضلة شاهندة مقلد أسرعت بالسفر الى موسكو بحثا عن إبنها, ولكنها بعد رحلة بحث شاقة عادت الى مصر بخفى حنين।
فى شهر نوفمبر, أى بعد 5 شهور من اختفاء وسيم يرسل 50 من المثقفين وقادة الأحزاب وممثلى القوى السياسية المصرية برقيات الى رئيس وزراء مصر ورئيس وزراء الاتحاد الروسى بنداء بسرعة الكشف عن مصير المفقود.
وفى 25/12/2008 يتم العثور على جثة وسيم صلاح حسين فى مكان مهجور وبها إصابة بالرأس.

النيل عطشان يا صبايا
للحب وللحنين
والشط لا ناى ولا نسمة
ولا نور ولا عود ياسمين
يا شاهندة وخبرينا
يام الصوت الحزين
يام العيون جناين
يرمح فيها الهجين
ايش لون سجن القناطر
وايش لون السجانين

البداية

تبدأ رحلة شاهندة عبد الحميد شوقى مقلد منذ ولادتها لأب يعمل فى سلك البوليس متنقلا بين أقسام البوليس فى مصر, حاملا معه أبناؤه مدحت وعلى وكامل وشاهنده وشادية, مع إرتباطه الشديد بمسقط رأسه قرية كمشيش مركز تلا منوفية, منحازا إلى الفلاحين الفقراء, مدافعا عن حقهم فى التخلص من سيطرة وإستغلال عائلة الفقى الإقطاعية, باثا فى أبنائه روح الوطنية والثورة على الظلم।
ترتبط شاهندة روحيا فى وقت مبكر بإبن عمتها الشهيد صلاح حسين المناضل فى صفوف الحركة الوطنية فى القنال, وإن كانت شاهندة تفتح وعيها قبله على الفكر الإشتراكى من خلال معلمتها وداد مترى والتى كانت تنتمى الى تنظيم حدتو.
تقرر شاهندة الزواج من إبن عمتها, رغم معارضة الوالد والذى كان يتمنى لها زوجا أفضل, وتهرب اليه بالإسكندرية ليتم عقد قرانهما هناك, ليعيشا معا فى شقة متواضعة بحى الإبراهيمية, ويستمرا فى النضال أو المشاغبة كما ذكر الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين فى مقال له فى مجلة المصور فى هذه الأيام بعنوان(مشاغب ومشاغبة), وتنجب من الشهيد صلاح حسين أبناءهما ناجى ووسيم وبسمة, ليعيشوا جميعا فى هذه الشقة ومعهم فيما بعد الأم راقية السيدة العجوز التى كانت فى خدمة والدها, التى رعتها شاهندة حتى بعد فقدها لبصرها, وحين تموت تصمم شاهندة على دفنها فى كمشيش واقامة جنازة لها هناك.

كمشيش بتنفض من ترابها الموت

الدم ناشع، م الجدور للصوت

«الأرض أرض الفلاحين

ولا حد قد الفلاحين


حينما إغتالت يد الغدر والإرهاب الإقطاعية صلاح حسين فى 30 ابريل 1966 بيد قاتل مأجور بعد فشلهم فى الحد من تحريضه للفلاحين وتنظيمهم دفاعا عن أرضهم فى مواجهة الإقطاع, ليكمل درب شهداء الفلاحين الذين سبقوه ومنهم أبو زيد أبو رواش وعبد الحميد عنتر وآخرين, حينها كان أكبر أطفالهما ناجى عمره 7 سنوات, والمرحوم وسيم 4 سنوات وبسمة التى لم تتجاوز الأربعين يوما, هبت شاهندة كعادتها فى المحن لتقود ثورة فى وجه الظالمين والطغاة مصممة على دفنه فى جنازة تليق بالبطل الشهيد فى كمشيش, متقدمة صفوف الفلاحين, حاملة معهم النعش.
فى تلك الأوقات كان يرن فى أذنها (كما ذكرت فى قناة الجزيرة) ذلك النشيد الذى كان يردده الشهيد مع صديق عمره المناضل اليسارى وسيم خالد, والذى سمّى وسيم على إسمه, وكانت كلمات النشيد تقول:
سلاماً نقدمه في فخار.. جنود الكفاح لأبطاله.. إلى أكتوبر والثوار.. إلى يوم مايو وعماله.. لكل شجاع إلى الانتصار.. مضى في ثبات إلى حتفه.. على قبركم في مهب الرياح.. حمراء تخفق رايتنا.. تحيي رفاقا خاضوا الكفاح وماتوا ليحيا بهم حقنا.
لم تغلق شاهندة على نفسها باب شقتها وتتفرغ لتربية أولادها, وهوعبء كبير, ولكنها إستمرت بشجاعة فى قيادة فلاحى كمشيش وتنظيمهم وتنمية وعيهم, وخصوصا فى مرحلة إبعادهم عن أرضهم وديارهم فى كمشيش فى 14/6/1971, وهم عاشور وعبد المجيد وعلى عزام وغيرهم كثيرين, إحتضنتهم فى الأسكندرية, ووفرت لهم سكنا
من جيبها الخاص رغم ضيق الحال, وإستأجرت لهم معلمين ليعلموهم القراءة والكتابة, ووفرت لهم الكتب, على حساب قوت يومها وأولادها।
وسيم
كان المرحوم وسيم دائم الإبتسام, رغم مسحة الحزن الغائرة فى عينيه, قيل أنه بعد إستشهاد والده وكان عمره 4 سنوات كان يقف طويلا فى البلكونة فى إنتظار عودة والده, كان يعيش مع والدته فى جو متوتر دائما, أذكر مرة أن رجال المباحث عندما جاؤا للقبض عليها لم ينتظروا حتى يفتح لهم الباب بل اقتلعوه عنوة بعتلة, وكانت أمهم تغيب عنهم فترات طويلة, إما فى السجن أو هربا من البوليس, كانوا أطفالا صغارا خصوصا بسمة التى كانت فى سنواتها الأولى, ولكن كانت هذه الضريبة التى يدفعها الأبناء, لأباء إختاروا النضال السياسى فى مجتمعاتنا।
كأن القدر إختار لشاهندة مقلد أن تقضى حياتها فى إحصاء القتلى والشهداء, والدها وأخوها أشرف الذى إستشهد فى حرب الإستنزاف, وزوجها الشهيد صلاح حسين وأخوه الذى استشهد فى حرب اليمن, وفى نهاية الطابور تأتى النهاية المأساوية لفلذة كبدها, الأبن البار الشهيد وسيم صلاح حسين.

وداعا أيها الشهيد الغالى, ولا أعرف ماذا أقول لك يا شاهندة.

Tuesday, December 02, 2008

الحب فى زمن الكوليرا


تصادف أن دعانى أحد الأصدقاء, أثناء اجازة سريعة بالأسكندرية, لمشاهدة عرض شريط "الحب فى زمن الكوليرا"المأخوذة عن رائعة الكولومبى"جابرييل جارثيا ماركيز"والحاصل على جائزة نوبل.
بداية فأنا لم أقرأ الرواية, ولم أقرأ للمؤلف سوى رواية "مائة عام من العزلة", وعلى كل حال سوف أكتب بإختصار عن الفيلم فقط, والذى يتناول قصة حبيبين من مرحلة المراهقة والحب المجرد "النظرى", الى سن السبعين حين التقيا مرة أخرى.
إذن هى قصة الحب الخالدة بين"فلورينتو أريثا" عامل التلغراف البسيط, وفيرمينا أديثا" إبنة تاجر البغال الثرى, والتى يراها أثناء تسليم برقية الى أبوها, لتتعلق بها روحه من أول نظرة, كصاعقة من السماء أصابته, ليظل ممسكا بهذه اللحظة بقية عمره.
يبدأ فى كتابة سلسلة من الرسائل لها, وبعد تردد تكتب له, فى تتابع طويل من السرد يصيب ببعض الملل, وعندما يعطيان لبعضهما وعدا أن يكونا معا الى الأبد, فى جو رومانسى خالص, يتم طردها من المدرسة الدينية التى تدرس بها لضبطها وهى تكتب له رسالة, فيأتى أبوها كالثور الهائج, مصمما على رفض هذا الزواج بعامل التلغراف, لأنه يأمل بعريس من طبقة إجتماعية مميزة, ويعلن هذا الرفض صريحا لفلورينتو, وينتزعها من المدينة ويرحل بها بعيدا.
تستمر فيرمينا فى مراسلة حبيبها عن طريق التلغراف, ويظل الحبيب يحلم برؤيتها, وبعد عودتها بعد عامين تلتقى به فى أحد الأسواق لتكتشف أن حبها له لم يكن الا مجرد وهم, فتقرر إنهاء الموضوع والموافقة على الزواج من الطبيب الذى أعجب بها عندما إستدعاه أبوها للكشف عليها حين أشتبه فى إصابتها بالكوليرا.
بعد الزواج تعيش فرمينا حياة عادية لا تخلو من بعض المنغصات, لكنها تطوف العالم مع زوجها, وتندمج فى الحياة الإجتماعية, وتنجب, وتكاد تنسى حبها الأول, بينما فلورينتينو يغرق فى ملذات جنسية عابرة, ولكنه يعيش فى إنتظار اليوم الذى يموت فيه زوجها, ويعرف نبأ وفاته بعد 52 عاما من زواجها, فيقرر الإسراع الى الجنازة, ثم الى منزل حبيبته عارضا عليها حبه, فتطرده بقسوة, ولكنه لا ييأس, ويعاود الكرّة أكثر من مرّة حتى يفوز بقلبها, لينتهى الفيلم.
يبدأ الفيلم بمشهد الجنازة, بينما فلورينتينو يستمتع بلحظات حب مع فتاة مراهقة صغيرة, ليسمع صوت أجراس الكنيسة معلنة وفاة الزوج, ثم يعود المخرج على طريقة الفلاش باك ليحكى لنا قصة الفيلم.
والفيلم رغم عبقريته, وإجادة الممثلين لأدوارهم, الا أنه تعيبه بعض السقطات التى أعتقد أنها ربما بسبب الإخراج أو السيناريو وليست الرواية والتى أستبعد أن يكون ماركيز قد إقترفها.
فالفيلم لا يرصد البيئة الإجتماعية أو السياسية للواقع الذى يدور فيه, رغم تسجيله لحوالى نصف قرن من الزمان, فإنه يدور فى أغلبه مصورا الطبقة الأرستقراطية للفتاة وأبيها وزوجها, حتى حين تتوجه الكاميرا لتصوير الشاب المحب عامل التلغراف نرى المخرج يهتم أكثر بأصوله الغنية وميراثه من أبيه, وحتى وباء الكوليرا ظهر فى الفيلم كديكور خارجى, يمكن التفرج عليه من باخرة عابرة وليس كجزء رئيسى من العمل الدرامى, وتلك الحرب التى لانعرف بين من تدور ولا ما هو الهدف منها.
ورغم أن الفيلم يبدو كملحمة طويلة تتجاوز عدة أجيال مثل "السيرة الهلالية", الا أنها تركز أكثر على البطل ومغامراته فى عالم النساء, كما أن المشاهد الرومانسية فى الفيلم تذكرنى برواية "روميو وجولييت" لشكسبير, بما فى ذلك مشهد القيثارة, كما يذكرنى كتابته لرسائل العشاق برواية الشاعر أو "سيرانو دى برجراك".
أحزننى فى الفيلم نظرته الى المرأة وعدم تقديره لها, فالمرأة من خلال كاميرا المخرج فى الأغلب غريزية وسهل أن تخون, أو بتعبير البطل سهل إصطيادها, حتى تلك الحديثة الزواج أمكن له أن يوقعها فى شباكه بسهولة.
كما استطاع المخرج ربما بقصد أو بغير قصد أن يرسم بوضوح صورة البطل فى علاقاته النسائية الوضيعة, وموقفه النفسى والإنسانى من ضحاياه, فلا يهمه من حادث قتل الزوجة التى ضاجعها الا أن إسمه لم يرد فى التحقيق, ويبدى عدم الإكتراث كثيرا لإنتحار تلك المراهقة الصغيرة التى هو الوصى عليها, أو بمثابة والدها, والذى أقام علاقة جنسية معها, وإنتحارها بعد هجرانها لها ودعوتها للسفر الى أمريكا لإستكمال دراستها.
كنت أتمنى لو إنتهى الفيلم بمشهد رفض "فيرمينا" لعرض الزواج من"فلورنتينو" بعد وفاة زوجها, ولكن وبإسلوب مخرجينا فى وضع النهايات السعيدة, تم الإصرار على الإطالة الغير مبررة, والتى لا تخدم الهدف الدرامى للفيلم.
على أن أهم ما شدنى فى هذا الفيلم هو ذلك الدور العظيم للممثلة الرائعة التى قامت بدور أم فلورينتو.
ختاما فالأعمال الروائية العظيمة عادة ما يصعب ترجمتها دراميا الى الشاشة البيضاء, لقد عانى من ذلك أديبنا الراحل, الحائز على جائزة نوبل أيضا"نجيب محفوظ", مما دعاه أن يتبرأ من الأفلام المأخوذة عن رواياته, أرجو أن يكون هذا ماحدث مع أديبنا العظيم"ماركيز", لا أستطيع أن أجزم لأننى لم أقرأ الرواية
.

Monday, December 01, 2008

شخصيات من السجن



سمير محمدين

كان ذلك فى شتاء عام 1975 والأسفلت يبعث برودة قارسة فى الأجسام الغضة, والبرش المصنوع من جدائل الخوص يرسم علاماته بكامل التفصيلات, ليبدو الجسم مطبوعا بنقشه بدقة, وجردل البول يعّبق الزنزانة الضيقة, ولسعات القمل ذى اللون الأبيض تصيب الجلد بحساسية مستمرة.
هذا جزء من مشهد كافكاوى للسجن فى بلدى, ومجمل الصورة أكثر مرارة, يخفف من المشهد أحيانا أن تكون فى زنزانة جماعية, وأحيانا يزيد ذلك المشهد تعقيدا, يعتمد ذلك فى الغالب على من معك, ينطبق على ذلك مقولة "سارتر" ( الجحيم هو الآخرين ), فى هذه الظروف تعرفت عليه.
أسمر, طويل, له شارب دوجلاس صغير, يهتم دائما بمظهره, بدلة السجن الزرقاء دائما نظيفة ومهندمة, الحذاء نظيف, أسنانه بيضاء لامعة, شعره ممشط, يمشى بخطوات واثقه, ويحمل علبة السجائر البلمونت الصغيرة دائما فى جيبه.
كان يملك حساسية عالية, وإسلوب مميز فى التعامل مع البشر, إقترب منى وئيدا وعلى مراحل, وكأنما ينسج تفاصيل علاقة من نوع خاص, فى اللحظة المناسبة وبينما نجلس فى حوش الكانتين الضيق, إقترب منى محييا مادا يده بعلبة السجائر, تناولت واحدة شاكرا, أشعل سيجارته وإنتحينا جانبا, ودار بيننا حوار طويل.
مع مرور الوقت كنا نحرص على اللقاء أثناء فترة الفسحة, وإتسعت أطراف الحديث ليحكى لى قصته.
هو يحمل شهادة متوسطة, فى حوالى الخامسة والثلاثين, الإبن الأكبر لخمس بنات, أبوه يعمل صف ضابط فى البوليس برتبة متواضعة, أخته الكبرى"سناء" حاصلة على دبلوم تجارة متوسطة وتعمل فى الحى, ولدوا جميعا وعاشوا فى مدينة"بور سعيد" حتى العام 1968, كانت حياة متقشفة لكن هادئة, حتى اضطروا مثل الملايين من سكان مدن القناة الى التهجير الى مختلف المدن المصرية, فى أكبر هجرة جماعية شهدتها مصر فى تاريخها الطويل.
كانت محطتهم فى إحدى المدارس بالأسكندرية, فى حى باكوس الشعبى المزدحم, تكدسوا جميعا فى أحد فصول المدرسة, تشاركهم عائلات أخرى كثيرة فى باقى الفصول, حياة جديدة عليهم, الأصوات العالية والضجة لا تنتهى, طقوس الإذدحام والحاجة تؤدى الى مشاكل مستمرة وخناقات, توجدعلاقات كثيرة غير مشروعة, ومشاريع حب مجهضة.
تم تسليمه عملا بالتليفونات, وعمل أبوه بقسم سيدى جابر, وأخته"سناء" بحى شرق, باقى البنات التحقوا بمدارس قريبة, وإستمرت الحياة بصعوبة, والأم تحاول تدبير الحياة الجديدة بمشقة, تحاول هذه السيدة أن تسد الأفواه المفتوحة بأى وسيلة, مداعبات البنات مع أمهن لا تنقطع, يذكر لى "سمير" أنهم لم يكونوا يأكلون اللحم الا فى المناسبات, كانوا فى أغلب الأيام يفطرون جبنا بالزيت مع الخبز والشاى, وتتكر الوجبة فى الغذاء, وفى المساء عندما تعجز الأم عن ماذا يؤكلون, تبتسم البنات فى خبث ( وحشتنا الجبنة أم زيت ياماما).
هروبا من المكان الضيق والمزدحم, تعّود سمير الجلوس على مقهى فى "كامب شيزار", تعرف هناك على بعض الشباب كان منهم " سيد" و"سلامة", وبدأ تفكيره يتجه الى عمل ضربة كبيرة تخرجهم من الفقر, وجهه هذا التفكير الى بيت الخواجة "أنطونيو", الساكن فى عمارة كبيرة وقديمة فى الإبراهيمية, حيث قد كان زاره سابقا لإصلاح التليفون, ولاحظ أنه يقيم وحده, وعندما أراد الخواجة أن يعطيه بقشيشا دخل الى غرفة النوم وبقى فيها طويلا قبل أن يحضر النقود.
بعد إتخاذ قرار العملية, قرر أن يعترف للأسرة, جمعهم بعد العشاء, وحكى لهم القصة, وأعلن لهم قراره بسرقة الخواجة, إعترضوا فى البداية, ولكنه أقنعهم أنه لا حل من الخروج من أزمتهم إلا من خلال هذه العملية المضمونة, ضمن موافقتهم, إنطلق الى القهوة, وإختلى برفاقه فى أحد الأركان, ورتب معهم دور كل واحد منهم.
كانت الخطة أن يلبس سمير ملابس ظابط, وينتحل الأخريان صفة مخبرين, وبعد دخول البيت يأخذون المال فقط ويهربون, ويقوم سمير بإخفاء المبلغ لحين تقسيمه, ذكر لى سمير أن أبوه قام بتأمين المنطقة ليلة الحادث, وبعد إتمام العملية قاموا بتقييد الضحية, بعد تكميم فمه.
قام سمير بعد ذلك بإبلاغ الشرطة (حسب قوله) حفاظا على حياة العجوز, وإحتفظ فى البيت بمبلغ مائة جنيه, وتم إخفاء الباقى, وإنتظر حتى تهدأ الأمور, ولكن الآخرين ما كانوا لينتظرون.
سرعان ما إكتشف البوليس خيوط الجريمة نتيجة ثرثرة أحد المشتركين, حاصرت الشرطة المكان الذى يقيم به, أحس بهم سمير, أطفاء نور الغرفة ونظر من خلال الشيش, تأكد أنهم أوقعوا به, أخبر أمه وأخواته البنات وطلب منهم التماسك, صوت أقدامهم الثقيلة تصعد السلم الداخلى للمدرسة, خبطات قوية على الباب, طلب من البنات التوارى وفتح لهم.
كانو أربعة على رأسهم ضابط مباحث القسم, وكلهم مسلحين, كانوا عنيفين فى تحركهم, وضعوا سمير قبالة الحائط رافعا يديه, وقلبوا كل شيئ, كانت الأم واقفة فى وسط الغرفة, تحاول أن تمنع نفسها عن البكاء أو الصراخ, طلب الضابط من سمير أن يستدير, أخبره ا، يعترف أين أخفى النقود فى هدوء, وإلا ستسوء العواقب, نظر سمير فى عيني أمه, ذكر لى سمير أنه فى هذه اللحظة قرر الإعتراف, أخبرنى لو أن الضابط ضربها قلما لإنهارهو وإعترف, والعكس أيضا لو ضربه قلما لإنهارت هى.
طلب من النقيب " أدم" إعطاؤه كلمة شرف, أنه إذا إعترف له بالحقيقة ألا يزج بأحد من أفراد أسرته فى القضية.
بعد أن أعطاه الضابط كلمة الشرف, أخبره أن المبلغ قد أخفته "سناء" أخته بالخزينة فى الحى, وهى فقط التى معها المفتاح, كان موقفا صعبا, قام الضابط بعدة إتصالات بالاسلكى, ثم طلب منه وأخته إصطحابه الى الحى, وبعد أن إستلم النقود, ناقصة المائة جنيه,أخذ معه سميرإلى القسم, ولم يرد إسم أخته فى جميع محاضر التحقيق.
وقفت الأسرة خلف سمير طول الوقت, معتبرين أنه ضحى بنفسه من أجلهم, وتلك هى الحقيقة نسبيا, حكم عليه بعشر سنوات لإتهامه بالسرقة بالإكراه, وإنتحال شخصية ضابط بوليس.
توثقت بيننا العلاقة, كان يواصل دراسته بكلية الحقوق, كانت أسرته تزوره بإنتظام, ويتركون له نقودا دائما فى حساب الكانتين, وبدأت فى الإندماج معه وبعض الجنائيين أصدقاؤه, وكان معظمهم منتسبين للكليات النظرية, منهم "عبد العزيز الناحل" و"عبد الفتاح عواد" و"رمزى الفلسطينى" وآخرين.
بعد أن قررت القيادة السياسية الإفراج عن مجموعتنا, وفى الليلة الأخيرة لى معه فى السجن, قرر ومجموعة من زملائه توديعى بإحتفالية, تم رشوة الحرس للسماح لى بأن أقضى الليلة معهم, كانوا قد أعدوا عشاءا فخما, أحضرته أسرته خصيصا حسب طلبه, مع قطعة من الحشيش وزجاجة خمر هربها رمزى عن طريق "البوسطة" (وهى طريقة للتهريب عبر السور عن طريق حبل طويل يقذف به بشدة), ورغم عدم تعلقى بالخمر أو الحشيش فقد تناولته معهم مجاملة.
أثناء وداعنا فى الصباح, طلب منى سمير أن أفتح الراديو على إذاعة الأسكندرية فى يوم وساعة محددين بعد حوالى إسبوع, وعند سماعى للراديو كانت المذيعة تعلن إهداء الأغنية التالية من سمير والزملاء بالسجن إليّ

Friday, November 07, 2008

هل يحلم فلسطينى أن يصبح رئيسا لدولة إسرائيل؟




فى ظل موجة التفاؤل التى عمت العالم بإنتخاب باراك أوباما لرئاسة أكبر وأقوى دول العالم, بعد ثلاثة قرون من إبقاء الزنوج فى الولايات المتحدة فى الوضع الأدنى, مما حدا بى أن أحلم أيضا فى إمكانية اليوم الذى يحكم فيه إسرائيل رجل فلسطينى حالم أيضا, فما كان بالأمس حلما أصبح اليوم واقعا.
لقد تحرر الزنوج فى أمريكا عبر سلسلة طويلة من الحروب والمآسى الفظيعة من واقع مؤلم كأقنان فى الأرض فى الجنوب وعمال بائسين فى مصانع الصلب فى الشمال, بعد أن جلبوا من أوطانهم الأصلية مقيدين بالسلاسل والأغلال, ليعيشون على فتات سادتهم البيض فى جيتوهات مغلقة, وأوضاع مزرية, حيث لم يكن مسموحا لهم حتى عقود قريبة أن يختلطوا بالبيض فى المدارس والمطاعم ووسائل المواصلات, وحتى كانت لهم مشارب للماء منفصلة.
إن كلمات نيكسون أن" السود سبب كل المشاكل فى أمريكا", وإعلان ريجان بصراحة وقوفه فى مواجهة السود, وحتى قول كلينتون أن على السود أن يتحملوا وحدهم نتيجة أخطائهم, ليس بعيدا, ليأتى وبعد أقل من ثمانى سنوات من حكم كلينتون شاب أسودذى أصول إسلامية, ليقرر أن يحطم هذا التابو ويعلن ترشيح نفسه للرئاسة, قافزا فوق كل القيود, متخطيا كل الأسوار, ليتابع على الملأ رحلة شاقة لإنتزاع ترشيح الحزب الديموقراطى, ومن بعدها الوصول الى البيت الأبيض.
لقد حاولت السيدة كلينتون ومن بعدها الجمهورى مكين تحريك مشاعر العنصرية فى مواجهة الصعود السريع لأوباما, ولكن جاءت تلك الحملة بنتائج عكسية لأن الأغلبية كانت قد حسمت أمرها, ولم يكن الأمريكان تواقون للعودة لهذا الماضى البغيض.
لقد إستطاع شاب من أصول أمريكية مثقف, ومتخرج من أعلى الجامعات الأمريكية, ويملك شخصية كاريزمية طاغية, ويملك رؤيا واضحة ولسان طلق, أن يقلب الطاولة, ويغيرالموازين الداخلية, ويجمع حوله الشباب والنساء والمهمشين والمثقفين والنخبة وقطاعات عريضة أخرى, فى إستكمال لمسيرة الأب الروحى لذلك الطريق, مارتن لوثر كنج , ولتضحيات ستوكلى كارمايكل والكس محمد وآخرين, أقول إستطاع أن يفعلها ويغير وجه أمريكا والعالم.
كما لا يجب أن ننسى الإنقلاب العظيم الذى حدث فى "جنوب إفريقيا" حيث انتقلت السلطة من سيطرة الأقلية البيضاء الى الأغلبية السوداء, وفيما يشبه الحلم يخرج "نيلسون مانديلا" من معتقل قضى فيه أكثر من ست وعشرين عاما, ليصعد خلال شهور الى قمة السلطة, فى مشهد درامى حبس فيه العالم أنفاسه.
منذ إستوطن البيض المنطقة الجنوبية من القارة الأفريقية بعد إكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح, وهم يستخدمون السود خدما وعبيدا لهم, فى أسوأ نظام للفصل العنصرى(أبارتيد) وهى سياسة عزل للسود فى بانتوستانات منفصلة, فى مناطق تتسم بالجدب والعزل, فى أكواخ من الصفيح, ولا يتمتعون بأدنى الحقوق السياسية والإجتماعية.
لقد إستطاع "نيلسون مانديلا" من خلال قيادته لحزب المؤتمر الوطنى الإفريقى أن يوحد السود من خلال برنامج للكفاح السياسى والعسكرى للتحرر الوطنى, وإستطاع رغم سنوات السجن الطويلة أن يلهم الجماهير ويقود نضالها التحررى ليستطيع فى النهاية من تحقيق النصر المؤزر, لترفعه الجماهير فى النهاية الى سدة الحكم.
ورغم إختلاف الهجمة الإستيطانية الشرسة فى فلسطين, ونجاح النظام العنصرى الصهيونى فى فرض وجوده على الأرض الفلسطينية, فإن هناك تشابها لا يخفى بين هذه الأنظمة الثلاث رغم التباين بينها, فنظام عنصرى بالولايات المتحدة إستمر لثلاثة قرون , ليسفر فى النهاية أن ينتصر شاب من الأقلية السوداء( 13%) بالرئاسة, ونظام فى الجنوب الإفريقى تتحكم فيه أقلية من البيض (4%) فى شعب من السود والملونين, إلى نظام إستطاعت فيه أقلية يهوديه بمساعدة الإمبريالية العالمية الإستيلاء على كامل الأرض الفلسطينية, وتفاوض الفلسطينيين على أقل من (22%) من الأرض, ولكن يتواجد داخل الخط الأخضر أقلية فلسطينية تشكل أكثر من (20%) من السكان.
وبالرغم من الصور المتعددة للعنصرية الصهيونية بالداخل الفلسطينى, وإعتبار العرب مواطنين من الدرجة الثالثة بعد اليهود الشرقيين, الا أن العرب يتمتعون ببعض الحقوق التى إنتزعوها خلال مسيرة طويلة من النضال, مثل حرية تكوين الأحزاب, وحق الإقتراع والترشيح, ولهم بالفعل عدد من الأعضاء فى البرلمان الإسرائيلى" الكنيست".
فهل يأتى ذلك اليوم الذى يستطيع فيه شاب فلسطينى يملك الحلم والإرادة والرؤية الثاقبة أن يجسد الحلم ليدفع الأغلبية الإسرائيلية للتخلى عن عنصريتها والإندماج فى إطار وطنى ينتصر للعدل والمساواة والعيش المشترك.
هل يمكن أن يحدث ذلك؟
ربما فالإنجازات الكبيرة تبدأ دائما بأحلام كبيرة!!!
وليس ما حدث فى أمريكا ببعيد

Tuesday, September 02, 2008

ارحل بقى



الحوار المتمدن - العدد: 2392 - 2008 / 9 / 2
أظن أفصح من كدة نصيحة يبقى عيب


بحبك يا ريس

وحبك يا ريس معكنن عليـــــة

مقطعلى قلبى مطلع عنيــــة

سيبونى فى حالى وبيا اللى بيـــــــة

دا كل اللى لية محرم عليـــــة

عشان حاجة واحدةعشــــــانك يا ريس

بحبــــــــــك يا ريس

دى كلمة قالوها زمان من ســـــــــنين

وكل اللى قالها مطـيـن بطـيـن

يا سارق فلوسنايا كاتم نفوسنا

يا واكل عرقنا برجلك دايسنا

ولســـــه بحبك واحب اللى حبك

وباحلف هاحبك واحب اللى جابك

فى يوم اغبر علينا ياريس مبارك

يا ريس عليــــك البــــلدلابنـــك

وابنــــه وولد الولد

سوزانك سوزانا

جمالك جمالنا

علائك علائنا

وبكرة وبعده وطول الامد

غبــــاءك يا ريس ملوش حل خالص

وسايق ف الهبل وكلامك هجايص

ولولاك يا ريس مكنشى دا حالى

وحال كل مصري مدروخ ولايـص

قالوا العيشة حرة وهي العيشة مرة

ومش مـــر عادي

دا صبرك يا ريس ممرر بلادى

واسعار بترفع مأتنزلش مرة

وباين علينا هنطلع لبرة

رغيفك يا ريس بيصغر ما يكبر

وسعره يا ريس بيرفع ماينزل

سألنا دا ماله قالولنا الحديد

وايه العلاقة بسعره الجديد

تكونش يا ريس لغيت الدقيق

وبتطحن بداله برادة حديد؟

مهو انت اللى عارف وسامع وشايف

جمالك قشــطنا

وعز اللى خاننا وولـــع بلدنا برفع الحديد

ماتصحى ياريس وصحى البلد

هنبقى يا ريس كمالة عدد

ف وسط العوالم وشعبى اللى هايم

وكبته اللى دايم

وقرشه اللى عايم

هنبقى يا ريس كمالة عدد

واقولك واعيدلك لانى بحبك

نصيحة فصيحة نصيحة مريحة

لبلدى وبلدك ماترحل يا ريس

ليه دايما متيس

ودايما مهيس

مترحل بقى وخد لي ف وشك جمالك ..

أنامش باغشك علائك .. سوزانك

شريفك .. سرورك نظيفك ..كمالك

وعزك .. دا خانك

خدهم وانصرفوا أشـــتاتآ أشتوت

خدهم وانصرفوا لحسن حانموت

ارحل بقى ارحل بقى

مترحل بقى

29/8/2008

Sunday, August 17, 2008

سميح القاسم يرثي محمود درويش
















مَا مٍن حوارِ مَعك بعدَ الآن.. إنَّهُ مُجرَّدُ انفجارِ آخر!
سميح القاسم

تَخلَّيتَ عن وِزرِ حُزني
ووزرِ حياتي
وحَمَّلتَني وزرَ مَوتِكَ،
أنتَ تركْتَ الحصانَ وَحيداً.. لماذا؟
وآثَرْتَ صَهوةَ مَوتِكَ أُفقاً،
وآثَرتَ حُزني مَلاذا
أجبني. أجبني.. لماذا؟
* * *
عَصَافيرُنا يا صَديقي تطيرُ بِلا أَجنحهْ
وأَحلامُنا يا رَفيقي تَطيرُ بِلا مِرْوَحَهْ
تَطيرُ على شَرَكِ الماءِ والنَّار. والنَّارِ والماءِ.
مَا مِن مكانٍ تحطُّ عليهِ.. سوى المذبَحَهْ
وتَنسى مناقيرَها في تُرابِ القُبورِ الجماعيَّةِ.. الحَبُّ والحُبُّ
أَرضٌ مُحَرَّمَةٌ يا صَديقي
وتَنفَرِطُ المسْبَحَهْ
هو الخوفُ والموتُ في الخوفِ. والأمنُ في الموتِ
لا أمْنَ في مجلِسِ الأَمنِ يا صاحبي. مجلسُ الأمنِ
أرضٌ مُحايدَةٌ يا رفيقي
ونحنُ عذابُ الدروبِ
وسخطُ الجِهاتِ
ونحنُ غُبارُ الشُّعوبِ
وعَجْزُ اللُّغاتِ
وبَعضُ الصَّلاةِ
على مَا يُتاحُ مِنَ الأَضرِحَهْ
وفي الموتِ تكبُرُ أرتالُ إخوتنا الطارئينْ
وأعدائِنا الطارئينْ
ويزدَحمُ الطقسُ بالمترَفين الذينْ
يُحبّونَنا مَيِّتينْ
ولكنْ يُحبُّونَنَا يا صديقي
بِكُلِّ الشُّكُوكِ وكُلِّ اليَقينْ
وهاجَرْتَ حُزناً. إلى باطلِ الحقِّ هاجَرْتَ
مِن باطلِ الباطِلِ
ومِن بابلٍ بابلٍ
إلى بابلٍ بابلِ
ومِن تافِهٍ قاتلٍ
إلى تافِهٍ جاهِلِ
ومِن مُجرمٍ غاصِبٍ
إلى مُتخَمٍ قاتلِ
ومِن مفترٍ سافلٍ
إلى مُدَّعٍ فاشِلِ
ومِن زائِلٍ زائِلٍ
إلى زائِلٍ زائِلِ
وماذا وَجَدْتَ هُناكْ
سِوى مَا سِوايَ
وماذا وَجّدْتَ
سِوى مَا سِواكْ؟
أَخي دَعْكَ مِن هذه المسألَهْ
تُحِبُّ أخي.. وأُحِبُّ أَخاكْ
وأَنتَ رَحَلْتَ. رَحَلْتَ.
ولم أبْقَ كالسَّيفِ فرداً. وما أنا سَيفٌ ولا سُنبُلَهْ
وَلا وَردةٌ في يَميني.. وَلا قُنبُلَهْ
لأنّي قَدِمْتُ إلى الأرضِ قبلكَ،
صِرْتُ بما قَدَّرَ اللهُ. صِرْتُ
أنا أوَّلَ الأسئلَهْ
إذنْ.. فَلْتَكُنْ خَاتَمَ الأسئِلَهْ
لَعّلَّ الإجاباتِ تَستَصْغِرُ المشكلَهْ
وَتَستَدْرِجُ البدءَ بالبَسمَلَهْ
إلى أوَّلِ النّورِ في نَفَقِ المعضِلَهْ..
* * *
تَخَفَّيْتَ بِالموتِ،
تَكتيكُنا لم يُطِعْ إستراتيجيا انتظارِ العَجَائِبْ
ومَا مِن جيوشٍ. ومَا مِن زُحوفٍ. ومَا مِن حُشودٍ.
ومَا مِن صُفوفٍ. ومَا مِن سَرايا. ومَا مِن كَتائِبْ
ومَا مِن جِوارٍ. ومَا مِن حِوارٍ. ومَا مِن دِيارٍ.
ومَا مِن أقارِبْ
تَخَفَّيْتَ بِالموْتِ. لكنْ تَجَلَّى لِكُلِّ الخلائِقِ
زَحْفُ العَقَارِبْ
يُحاصِرُ أكْفانَنا يا رفيقي ويَغْزو المضَارِبَ تِلْوَ المضارِبْ
ونحنُ مِنَ البَدْوِ. كُنّا بثوبٍ مِنَ الخيشِ. صِرنا
بربطَةِ عُنْقٍ. مِنَ البَدْوِ كُنّا وصِرنا.
وذُبيانُ تَغزو. وعَبْسٌ تُحارِبْ.
* * *
وهَا هُنَّ يا صاحبي دُونَ بابِكْ
عجائِزُ زوربا تَزَاحَمْنَ فَوقَ عَذابِكْ
تَدَافَعْنَ فَحماً وشَمعاً
تَشَمَّمْنَ مَوتَكَ قَبل مُعايشَةِ الموتِ فيكَ
وفَتَّشْنَ بينَ ثيابي وبينَ ثيابِكْ
عنِ الثَّروةِ الممكنهْ
عنِ السرِّ. سِرِّ القصيدَهْ
وسِرِّ العَقيدَهْ
وأوجاعِها المزمِنَهْ
وسِرِّ حُضورِكَ مِلءَ غِيابِكْ
وفَتَّشْنَ عمَّا تقولُ الوصيَّهْ
فَهَلْ مِن وَصيَّهْ؟
جُموعُ دُخانٍ وقَشٍّ تُجَلجِلُ في ساحَةِ الموتِ:
أينَ الوصيَّهْ؟
نُريدُ الوصيَّهْ!
ومَا أنتَ كسرى. ولا أنتَ قيصَرْ
لأنَّكَ أعلى وأغلى وأكبَرْ
وأنتَ الوصيَّهْ
وسِرُّ القضيَّهْ
ولكنَّها الجاهليَّهْ
أجلْ يا أخي في عَذابي
وفي مِحْنَتي واغترابي
أتسمَعُني؟ إنَّها الجاهليَّهْ
وَلا شيءَ فيها أَقَلُّ كَثيراً سِوى الوَرْدِ،
والشَّوكُ أَقسى كَثيراً. وأَعتى كَثيراً. وَأكثَرْ
ألا إنَّها يا أخي الجاهليَّهْ
وَلا جلفَ مِنَّا يُطيقُ سَماعَ الوَصيَّهْ
وَأنتَ الوَصيَّةُ. أنتَ الوَصيَّةُ
واللهُ أكبَرْ..
* * *
سَتذكُرُ. لَو قَدَّرَ الله أنْ تَذكُرا
وتَذكُرُ لَو شِئْتَ أنْ تَذكُرا
قرأْنا امرأَ القَيسِ في هاجِسِ الموتِ،
نحنُ قرأْنا مَعاً حُزنَ لوركا
وَلاميّةَ الشّنفرى
وسُخطَ نيرودا وسِحرَ أراغون
ومُعجزَةَ المتنبّي،
أَلَمْ يصهَر الدَّهرَ قافيةً.. والرَّدَى منبرا
قرأْنا مَعاً خَوفَ ناظم حِكمَت
وشوقَ 7-7-أتاتورك7-7-. هذا الحقيقيّ
شَوقَ أخينا الشّقيّ المشَرَّدْ
لأُمِّ محمَّدْ
وطفلِ العَذابِ 7-7-محمَّد7-7-
وسِجنِ البلادِ المؤبَّدْ
قرأْنا مَعاً مَا كَتَبنا مَعاً وكَتَبنا
لبِروَتنا السَّالِفَهْ
وَرامَتِنا الخائِفَهْ
وَعكّا وحيفا وعمّان والنّاصرَهْ
لبيروتَ والشّام والقاهِرَهْ
وللأمَّةِ الصَّابرَهْ
وللثورَةِ الزَّاحفَهْ
وَلا شَيءَ. لا شَيءَ إلاّ تَعاويذ أحلامِنا النَّازِفَهْ
وساعاتِنا الواقِفَهْ
وأشلاءَ أوجاعِنا الثَّائِرَهْ
* * *
وَمِن كُلِّ قلبِكَ أنتَ كَتبتُ
وَأنتَ كَتبتَ.. ومِن كُلِّ قلبي
كَتَبْنا لشعْبٍ بأرضٍ.. وأرضٍ بشعبِ
كَتَبْنا بحُبٍّ.. لِحُبِّ
وتعلَمُ أنَّا كَرِهْنا الكراهيّةَ الشَّاحبَهْ
كَرِهْنا الغُزاةَ الطُّغاةَ،
وَلا.. ما كَرِهْنا اليهودَ ولا الإنجليزَ،
وَلا أيَّ شَعبٍ عَدُوٍ.. ولا أيَّ شَعبٍ صديقٍ،
كَرِهْنا زبانيةَ الدولِ الكاذِبَهْ
وَقُطعانَ أوْباشِها السَّائِبَهْ
كَرِهْنا جنازيرَ دبَّابَةٍ غاصِبَهْ
وأجنحَةَ الطائِراتِ المغيرَةِ والقُوَّةَ الضَّارِبَهْ
كَرِهْنا سَوَاطيرَ جُدرانِهِم في عِظامِ الرّقابِ
وأوتادَهُم في الترابِ وَرَاءَ الترابِ وَرَاءَ الترابِ
يقولونَ للجوِّ والبَرِّ إنّا نُحاولُ للبحْرِ إلقاءَهُم،
يكذبُونْ
وهُم يضحكُونَ بُكاءً مَريراً وَيستعطفونْ
ويلقونَنَا للسَّرابِ
ويلقونَنَا للأفاعِي
ويلقونَنَا للذّئابِ
ويلقونَنَا في الخرابِ
ويلقونَنا في ضَياعِ الضَّياعِ
وتَعلَمُ يا صاحبي. أنتَ تَعلَمْ
بأنَّ جَهَنَّم مَلَّتْ جَهّنَّمْ
وعَافَتْ جَهَنَّمْ
لماذا تموتُ إذاً. ولماذا أعيشُ إذاً. ولماذا
نموتُ. نعيشُ. نموتُ. نموتُ
على هيئَةِ الأُممِ السَّاخِرهْ
وَعُهْرِ ملفَّاتِها الفاجِرَهْ
لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟..
ومَا كُلُّ هذا الدَّمار وهذا السقوط وهذا العذاب
ومَا كلُّ هذا؟ وهذا؟ وهذا؟
* * *
تذكَّرْ
وقدْ يُسعِفُ اللهُ مَيْتاً بأنْ يتذكَّرَ. لله نحنُ.
فحاول إذن.. وتذكَّرْ
تذكَّرْ رضا الوالِدَهْ
لأُمَّينِ في واحِدَهْ
ونعمةَ كُبَّتِها.. زينة المائِدَهْ
وطُهرَ الرَّغيفِ المقمَّرْ
تذكَّرْ
أباً لا يُجيدُ الصّياحْ
ولا يتذمَّرْ
تذكَّرْ
أباً لا يضيقُ ولا يتأفَّفُ مِن سَهَرٍ صاخِبٍ للصَّباحْ
تذكَّرْ كَثيراً. ولا تتذكَّرْ
كَثيراً. فبعضُ الحِكاياتِ سُكَّرْ
وكُلُّ الخرافاتِ سُمٌّ مُقَطَّرْ
ونحنُ ضَحايا الخرافاتِ. نحنُ ضَحايا نبوخذ نصّرْ
وأيتام هتلَرْ
ومِن دَمِنا للطُّغاةِ نبيذٌ
ومِن لَحمِنا للغُزاةِ أكاليلُ غارٍ ووردٍ
ومِسْكٌ. وَعَنبَرْ
فَلا تتذكِّرْ
قيوداً وسجناً وعسكَرْ
وبيتاً مُدَمَّرْ
وَليلاً طَويلاً. وَقَهراً ثقيلاً وسَطواً تكرَّرْ
وَلا تتذكَّرْ
لا تتذكَّرْ
لا تتذكَّرْ..
* * *
لأنّا صديقانِ في الأرضِ والشّعبِ والعُمرِ والشِّعرِ،
نحنُ صريحانِ في الحبِّ والموتِ.. يوماً غَضِبْتُ عليكَ..
ويوماً غَضِبْتَ عَلَيّ
وَمَا كانَ شَيءٌ لدَيكَ. وَمَا كانَ شَيءٌ لَدَيّ
سِوَى أنّنا مِن تُرابٍ عَصِيّ
وَدَمْعٍ سَخيّ
نَهاراً كَتبْتُ إليكَ. وَليلاً كَتَبْتَ إليّ
وأعيادُ ميلادِنا طالما أنذَرَتْنا بسِرٍّ خَفِيّ
وَمَوتٍ قريبٍ.. وَحُلمٍ قَصِيّ
ويومَ احتَفَلْتَ بخمسينَ عاماً مِنَ العُمرِ،
عُمرِ الشَّريدِ الشَّقيّ البَقيّ
ضَحِكنا مَعاً وَبَكَيْنا مَعاً حينَ غنَّى وصلّى
يُعايدُكَ الصَّاحبُ الرَّبَذيّ:
على وَرَقِ السنديانْ
وُلِدْنا صباحاً
لأُمِّ الندى وأبِ الزّعفرانْ
ومتنا مساءً بِلا أبوَينِ.. على بَحرِ غُربتِنا
في زَوارِقَ مِن وَرَقِ السيلوفانْ
على وَرَقِ البَحرِ. لَيلاً.
كَتَبْنا نشيدَ الغَرَقْ
وَعُدْنا احتَرَقْنا بِنارِ مَطالِعِنا
والنّشيدُ احتَرَقْ
بنارِ مَدَامِعِنا
والوَرَقْ
يطيرُ بأجْنِحَةٍ مِن دُخانْ
وهَا نحنُ يا صاحبي. صَفحَتانْ
وَوَجهٌ قديمٌ يُقَلِّبُنا مِن جديدٍ
على صَفَحاتِ كتابِ القَلَقْ
وهَا نحنُ. لا نحنُ. مَيْتٌ وَحَيٌّ. وَحَيٌّ وَمَيْتْ
بَكَى صاحبي7-7-،
على سَطحِ غُربَتِهِ مُستَغيثاً
بَكَى صاحبي7-7-..
وَبَكَى.. وَبَكَيْتْ
على سَطحِ بَيْتْ
ألا ليتَ لَيتْ
ويا ليتَ لَيتْ
وُلِدنا ومتنا على وَرَقِ السنديانْ..
* * *
ويوماً كَتَبْتُ إليكَ. ويوماً كَتَبْتَ إليّ
أُسميكَ نرجسةً حَولَ قلبي7-7-..
وقلبُكَ أرضي وأهلي وشعبي
وقلبُكَ.. قلبي..
* * *
يقولونَ موتُكَ كانَ غريباً.. ووجهُ الغَرابَةِ أنّكَ عِشْتَ
وأنّي أعيشُ. وأنّا نَعيشُ. وتعلَمُ. تَعلَمُ أنّا
حُكِمْنا بموتٍ سريعٍ يمُرُّ ببُطءٍ
وتَعلَمُ تَعْلَمُ أنّا اجترَحْنا الحياةَ
على خطأٍ مَطْبَعِيّ
وتَعلَمُ أنّا تأجَّلَ إعدامُنا ألف مَرَّهْ
لِسَكْرَةِجَلاّدِنا تِلْوَ سَكْرهْ
وللهِ مَجْدُ الأعالي. ونصلُ السَّلام الكلام على الأرضِ..
والناسُ فيهم ـ سِوانا ـ المسَرَّهْ
أنحنُ مِن الناسِ؟ هل نحنُ حقاً مِن الناسِ؟
مَن نحنُ حقاً؟ ومَن نحنُ حَقاً؟ سألْنا لأوّلِ مَرَّهْ
وَآخرِ مَرَّهْ
وَلا يَستَقيمُ السّؤالُ لكي يستَقيمَ الجوابُ. وها نحنُ
نَمكُثُ في حَسْرَةٍ بعدَ حَسْرَهْ
وكُلُّ غَريبٍ يعيشُ على ألفِ حَيْرَهْ
ويحملُ كُلُّ قَتيلٍ على الظَّهرِ قَبرَهْ
ويَسبُرُ غَوْرَ المجَرَّةِ.. يَسبُرُ غَوْرَ المجَرَّهْ..
* * *
تُعانقُني أُمُّنا. أُمُّ أحمدَ. في جَزَعٍ مُرهَقٍ بعذابِ
السِّنينْ
وعِبءِ الحنينْ
وَتَفْتَحُ كَفَّينِ واهِنَتَينِ موبِّخَتَينِ. وَتَسأَلُ صارخةً
دُونَ صَوتٍ. وتسألُ أينَ أَخوكَ؟ أَجِبْ. لا تُخبِّئ عَلَيَّ.
أجِبْ أينَ محمود؟ أينَ أخوكَ؟
تُزلزِلُني أُمُّنا بالسّؤالِ؟ فماذا أقولُ لَهَا؟
هَلْ أقولُ مَضَى في الصَّباحِ ليأْخُذَ قَهوَتَهُ بالحليبِ
على سِحرِ أرصِفَةِ الشانزيليزيه. أمْ أدَّعي
أنَّكَ الآن في جَلسَةٍ طارِئَهْ
وَهَلْ أدَّعي أنَّكَ الآن في سَهرَةٍ هادِئهْ
وَهَلْ أُتْقِنُ الزَّعْمَ أنّكَ في موعِدٍ للغَرَامِ،
تُقابِلُ كاتبةً لاجئَهْ
وَهَلْ ستُصَدِّقُ أنّكَ تُلقي قصائِدَكَ الآنَ
في صالَةٍ دافِئَهْ
بأنْفاسِ ألفَينِ مِن مُعجَبيكَ.. وكيفَ أقولُ
أخي راحَ يا أُمَّنا ليَرَى بارِئَهْ..
أخي راحَ يا أُمَّنا والتقى بارِئَهْ..
* * *
إذنْ. أنتَ مُرتَحِلٌ عن دِيارِ الأحبَّةِ. لا بأسَ.
هَا أنتَ مُرتَحِلٌ لدِيارِ الأحبَّةِ. سَلِّمْ عَلَيهِم:
راشد حسين
فدوى طوقان
توفيق زيّاد
إميل توما
مُعين بسيسو
عصام العباسي
ياسر عرفات
إميل حبيبي
الشيخ إمام
أحمد ياسين
سعدالله ونُّوس
كاتب ياسين
جورج حبش
نجيب محفوظ
أبو علي مصطفى
يوسف حنا
ممدوح عدوان
خليل الوزير
نزيه خير
رفائيل ألبرتي
ناجي العلي
إسماعيل شمُّوط
بلند الحيدري
محمد مهدي الجواهري
يانيس ريتسوس
ألكسندر بن
يوسف شاهين
يوسف إدريس
سهيل إدريس
رجاء النقاش
عبد الوهاب البياتي
غسَّان كنفاني
نزار قباني
كَفاني. كَفاني. وكُثرٌ سِواهم. وكُثرٌ فسلِّم عليهم. وسَوفَ
تُقابِلُ في جَنَّةِ الخُلدِ 7-7-سامي7-7-. أخانا الجميلَ الأصيلَ.
وَهلْ يعزِفونَ على العُودِ في جَنَّةِ الخُلْدِ؟ أَحبَبْتَ
سامي مَع العودِ في قَعدَةِ 7-7-العَينِ7-7-.. سامي مَضَى
وَهْوَ في مِثلِ عُمرِكَ.. (67).. لا. لا أُطيقُ العَدَدْ
وأنتُمْ أبَدْ
يضُمُّ الأبَدْ
ويَمْحُو الأبَدْ
وَأَعلَمُ. سوفَ تَعودونَ. ذاتَ صباحٍ جديدٍ تعودُونَ
للدَّار والجار والقدس والشمس. سَوفَ تَعودونَ.
حَياً تَعودُ. وَمَيْتاً تَعودُ. وسَوفَ تَعودون. مَا مِن كَفَنْ
يَليقُ بِنا غيرَ دَمعَةِ أُمٍّ تبلُّ تُرابَ الوَطَنْ
ومَا مِن بِلادٍ تَليقُ بِنا ونَليقُ بِها غير هذي البلادْ
ويوم المعادِ قريبٌ كيومِ المعادْ
وحُلم المغنّي كِفاحٌ
وموتُ المغنّي جهادُ الجِهادْ..
* * *
إذاً أنتَ مُرتحلٌ عَن دِيارِ الأحِبَّةِ
في زّوْرَقٍ للنجاةِ. على سَطْحِ بحرٍ
أُسمّيهِ يا صاحبي أَدْمُعَكْ
وَلولا اعتصامي بحبلٍ مِن الله يدنو سريعاً. ولكنْ ببطءٍ..
لكُنتُ زَجَرْتُكَ: خُذني مَعَكْ
وخُذني مَعَكْ
خُذني مَعَكْ

Labels:

Saturday, August 02, 2008

حسن ومرقص...وقبول الآخر



لقد كانت جرأة من الكاتب الساخر "يوسف معاطى" أن يدخل هذه المنطقة المحرمة, معلقا الجرس فى رقبة القط, وأن يمد كلتا يديه داخل عش الدبابير, ليضغط على الجرح محاولا إخراج القيح والعفن منه, ليكشفنا جميعا عرايا حتى من ورقة التوت, وأننا جميعا خطاؤون فلا يستطيع أحد أن يمسك بحجر, وولنكتشف أننا ابتعدنا كثيرا عن ذلك الزمن الجميل المتسامح, وجرت في النهر مياه كثيرة.
كذلك كان لقاء فنانين بحجم عادل إمام وعمر الشريف فى عمل مشترك ضد التطرف والإرهاب جدير بالترحيب والإحتفاء, خاصة وأن هذا العمل يتوج مسيرة طويلة للفنان عادل إمام من عمل أفلام تواجه الفكر التكفيرى, والتيارات الأصولية مما جعل حياته شخصيا مستهدفتا من قبلهم.
لقد بدأت مشاكل الفيلم منذ كان ورقا, وخرجت شائعات كثيرة حوله, منها ما قيل حول تدخل الكنيسة والبابا فى سيناريو الفيلم, الى إتهام عادل إمام بالتحول إلى الدين المسيحى, والدعوة إلى مقاطعة الفيلم وجميع أعماله, ومن حديث حول إنسحاب المخرج شريف عرفة من أسرة الفيلم لخلاف حول السيناريو.
لقد أراد الكاتب"يوسف معاطى" والمنتج"عماد أديب" والنجم "عادل إمام" أن يوصلوا رسالة قوية مضمونها أنه توجد فى العمق توترات حادة, وأحقاد متبادلة, وشائعات حول رغبة كل طائفة فى السيطرة ومحو الطائفة الأخرى, وأنه لو لم نتدارك ذلك بسرعة فسينفجر الوطن ملقيا حممه على الجميع, يظهر ذلك فى الإتهامات المتبادلة كعبارات (لا يوجد متسول مسيحى واحد) و (اللى في القلب فى القلب يا كنيسة)
والفيلم يدور حول فكرة محورية هى التطرف الدينى على الجانبين, مما يدفع بأجهزة الأمن إلى تهريب رجل دين مسيحى"عادل إمام" بإسم مستعار لشيخ مسلم (حسن العطار) مع إطلاق أسماء إسلامية لزوجته"لبلبة" وإبنه"محمد عادل امام" إلى محافظة المنيا حماية له من جماعة مسيحية متطرفة, وكذلك تهريب رجل مسلم صوفى"عمر الشريف" وأسرته الفنانتان هناء الشوربجى وشيرين عادل, إلى نفس المنطقة بإسم رجل مسيحى يدعى (مرقص) لتأمين حياته من جماعة إسلامية متطرفة, ومن هنا جاء إسم الفيلم "حسن ومرقص", لتدفع بهم الظروف إلى السكنى متجاورين فى بيت واحد, لتجتهد كلا الأسرتين فى إخفاء هويتهما الأصلية, ومحاولة التقرب من الأسرة الأخرى ظنا منها أن الآخر على نفس دينه, ومن هنا تبنى تيمة الفيلم الأساسية , وتنوع المشاهد الكوميدية.
بيد أن التناول الذى جرى من سيناريو وإخراج عليه كثير من الملاحظات, فقد عاب الفيلم مباشرته الشديدة وتقريريته حول واقع الإحتقان الطائفى دون بذل عناء التأصيل للجذور التاريخية والاجتماعية والأمنية لهذا الصراع, وجاءت المعالجة بشكل سطحى وساخر, ولم يظهر طوال العرض أى مظهر للتقارب الإنسانى أو الإجتماعى بين الطائفتين سوى بين شخصين أو أسرتين يعتقد كل منهما أن الآخر على نفس دينه, وفى لحظة أن يتم الكشف عن الحقيقة يظهر كل منهما أسوأ ما فيه تجاه الآخر, رغم المقدمة الطويلة عن أنهما شخصين مختلفان فى فكرهما عن الآخرين, وأنهما مطاردان بسبب هذا الإختلاف, لولا حدوث كارثة طائفية مفتعلة ليحترق البيت فيعود التقارب الإنسانى بينهم, ليثار تساؤل بسيط, ماذا لو لم يحدث هذا الحريق, أو هذا الشجار المفتعل, كيف كان يمكن أن ينتهى الفيلم, هذا بينما الواقع المعاش رغم الإستقطاب الحادث , ما زال ثريا بالكثير من العلاقات الإنسانية الجميلة.
حقا لقد أشار الفيلم فى بعض ألفاظه إلى ذكريات قديمة عن التسامح, وأن العلاقات الإنسانية لم تكن تهتم بدين الآخر, ولم تكن أفلام الأبيض والأسود منذ "فاطمة وماريكا وراشيل 1949"و"حسن ومرقص وكوهين 1953" إلا تعبيرا عن هذه الروح, فقد أفسد صعود الفكر الأصولى المتشدد وسيطرة التيار الوهابى المتجمد, لأسباب ليس هذا مجال شرحها, لقد سببت أخطاء تاريخية فى خروج اليهود من مصر خصوصا بعد عام 1956 , وسبب التشدد الإسلامى فى تقليص أعداد المسيحيين بالمنطقة بشكل حاد, حتى في تلك المناطق التى ولد وعاش فيها المسيح كبيت لحم, وحتى فى لبنان رمز التعايش بالمنطقة يذكر الكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل أن أعداد المسيحيين إنخفضت به من أربعين إلى عشرين مليونا, لقد سقط إسم كوهين من الفيلم القديم, ويخشى الكثيرون أن يسقط إسم مرقص أيضا بعد ستين سنة أخرى.
أذكر واقعة شخصية فى بدايات السبعينيات من القرن الماضى, حيث كان طلبة الجامعة المغتربين بالأسكندرية يسكنون فى غرفة مفروشة بإحدى الشقق التى تقيم بها عائلة سكندرية, حدث أن أقمت مع أسرة مسيحية, مع جد وجدة مسيحيين, يأتى لزيارتهم على فترات متباعدة الأبناء والأحفاد, كنت أعيش معهم فى ود وسلام, حدث فى أحد أعيادهم مع إنتهاء صوم العدرا (كما ينطقها المصريين) أن الجدة أعدت طعاما فخما وكثيرا لأولادها, وعندما تأخروا أصرت على وأصدقائى أن نحتفل معهم بالوليمة, هكذا كان الحال فى تلك الأيام ولكن الوضع تغير كثيرا للأسف.
من الكلمات القليلة والمؤثرة فى الفيلم ذكر عادل إمام لرحلة العائلة المقدسة إلى مصر عندما لجأت السيدة مريم وطفلها يسوع بصحبة يوسف النجار وطوافهم بمعظم أنحاء مصر وصولا إلى دير المحرق بأسيوط حيث جاءتهم البشارة بالعودة الى فلسطين.
على كل الأحوال, لن نبكى على اللبن المسكوب, ولكنها مجرد أمثلة على زمن مضى, وتاريخ مضيئ, ومثال ذلك الوفد حزب الأغلبية الشعبية التقليدى, وشعاره المعروف"الدين لله والوطن للجميع"حيث مثل المسيحيين فى بعض مراحله اغلبية أعضاء الهيأة الوفدية, مثل سينوت حنا وويصا واصف ومكرم عبيد وإبراهيم فرج وغيرهم كثيرون, ولم يكن لذلك أى حساسية لدى الجماهيرالمسلمة.
أضف إلى أن السيناريو فى محاولة مغازلة قوى التشدد الإسلامى حاول الموازنة بين التطرف الإسلامى والمسيحى من خلال الهجوم المتبادل, والعنف المتبادل, ولكن الجميع يعلم يقينا أن عنف الجماعات الإسلامية هو أساس المشكلة كلها, وليست أحداث أبوفانا والجواهرجية ومحرم بك ببعيدة, كما أن التصفيات الجسدية هى صفة تخص الجماعات السلفية الجهادية أساسا, وفكرة تهريب رجل دين مسيحى وإلباسه زى رجل دين إسلامى من قبل الجهاز الأمنى خوفا على حياته هى فكرة ساذجة الغرض منها تكملة المشهد الكوميدى.
على أن أكثر المناطق ضعفا فى الفيلم هو الإخراج, فواضح أن المخرج الشاب رامى إمام رغم إمكانياته الواعدة فى عالم الإخراج إلا أنه لم يزل غضا لتحمل فيلم بهذه الضخامة والحساسية , و هذه النوعية من الأفلام فى حاجة إلى عمق سياسى ومهارات خاصة, مما أدى به الى الإكثار من المشاهد الكوميدية على حساب العمل الفنى, بالإضافة إلى وجود جانب من التحيز فى طول المشاهد الخاصة بوالده على حساب مشاهد النجم عمر الشريف.
ولعب كاست الفيلم دوره بشكل جيد, ولكن كان الفنان عمر الشريف متميزا بأدائه الهادئ والراقى والمعبر.
كما أجاد عادل إمام فى لعب دور رجل الدين المسيحى وإن بالغ فى الأدوار الكوميدية كما توقعنا منه ذلك, كذلك كان دور محمد إمام فرصة لإثبات وجوده لولا محاولته تقليد والده, وأدت الشابة شيرين عادل دورها بتميز.
أيضا كانت موسيقى ياسرعبد الرحمن علامة إيجابية مؤثرة فى الفيلم وخصوصا فى مشهد النهاية.
وإذا كان الفيلم قد طرح أسئلة أكثر مما قدم من حلول, وأظهر فى مجمله البون الشائع بين الطرفين, فإن موقف الأجيال الجديدة يعد إرهاصة وأمل فى المستقبل, كما ظهر فى موقف جرجس ومريم فى نهاية الفيلم بالقول هل تتغير القلوب بمجرد تغيير الأسماء؟
على أن أحد الأسئلة الكبرى التى لم يجيب الفيلم عنها هو ما مصير العلاقة بين جرجس ومريم؟ وهل يمكن أن تستمر بعد إنكشاف السر ومعرفة الوضع الدينى الحقيقى للطرفين؟ أشك كثيرا فى إمكانية إستمرارها فى الظروف الحالية, لقد أدى إرتداء عادل امام للصليب فى الفيلم الى كل هذه الحملة الشرسة ضده, فماذا كان ليحدث لو قرر تغيير دينه ؟

Sunday, June 29, 2008

الموتى يعلمون الأحياء




كان يومها الأول فى الدراسة الأكاديمية بالكلية, ترددت قليلا قبل أن تدخل القاعة الكبيرة التى كتب أعلى بابها بالعربية وحروف أخرى لم تتبينها"المشرحة التعليمية", صدمتها رائحة حادة نفاّذة بالداخل, جعلت عيناها تدمعان, لا تذكر أنها إشتمت مثل هذه الرائحة من قبل, البياض يغلب على المكان, الحوائط بيضاء, معاطف الطلبة, الأغطية, الطاولات الرخامية.
القاعة ممتلئة, الضجة شديدة, عشرات الرؤوس تتزاحم حول الطاولات الموزعة بالقاعة, حاولت تبين وجه أى من زملاء الدفعة, شعرت بالدوار من الرائحة والضجة, قررت الإنسحاب من القاعة, كادت تصطدم به على الباب, بوسامته التقليدية, ومعطفه الأبيض على كتفه, حيته فإستوقفها, إنتحى بها جانبا وبدأ يتكلم بصوت خفيض لا تكاد تسمعه, كانت ذهنها مشتتا, لم تستطع متابعته, إلتقطت كلمات عن بريخت والمسرح الجامعى والمسابقة, إعتذرت منه بصداع مفاجيء, وسارت مسرعة الى البيت.
فى اليوم التالى إستيقظت معتلة المزاج, تناولت كوبا من القهوة, وإرتدت ملابسها على عجل, فى الطريق الى الجامعة لفحتها نسائم خريفية رقيقة, أعادت لها بعض الإنتعاش, أصرّت أن تكون أقوى من الأمس, قررت بين نفسها عدم حضور المحاضرات النظرية, دلفت مسرعة الى باب المشرحة, كان الزحام أقل من الأمس, لكن نفس الرائحة تستفز خياشيمها, قاومت تلك الرائحة, تعمدت عدم التطلع حولها كثيرا, لمحته مع زميل آخر وطالبتين حول إحدى الطاولات الرخامية, إنضمت اليهم فى صمت, وفتحت كتابها فى هدوء.
بدأ أحدهم القراءة, بينما الآخر يحرك المشرط على الجثة ببطأ, شردت وهى تنظر الى الرأس بعمق, العينان الغائرتين,لون الجلد المائل الى السمرة, الشعر المجدول بعناية خلف الرأس, والأسنان التى تبدو خلف الشفتين المفتوحتين, أليست تشبه المرحومة, بالرغم من جفاف الجلد, والعينين, وعظام الوجنتين والفك البارز, سبحان الله, نعم إنها صورة مطابقة لها, كل هذا الشبه.
شعرت بجفاف فى حلقها, إنتابتها غصّة, أحست بوخزات حادة عندما إقترب المشرط من الجلد, لم تشعر الاّ بعينيها تدوران فى حدقتيهما, وروحها تنسحب منها, أمسكت بيديها بشدة فى الطاولة الرخامية الا تسقط , رويدا بدأت تستعيد توازنها.
تفقدت بعينيها المكان, دارت بهما على الإضاءة القوية بالسقف, تحركتا الى الحوائط, ثبتت عينيها على لوحة رخامية كبيرة بألوان صفراء باهتة محفورعليها بضع كلمات بالعربية واللاتينية" الموتى يعلمون الأحياء".
شردت بذهنها بعيدا, إلى أيام طفولتها الأولى, عندما كانت تفرد ذراعيها لتحتضنها فتنغرس فى كتلة هائلة من الشحم الناعم الملمس, وتفتح صندوقها السحرى ببضع قطع من "سكر البنات", تحكى لها حكايات الشاطر حسن وشمس البدور, ملقية بها فى بحر الخيال السحرى الجميل, وفجأة ها هى صورة مطابقة لها على الطاولة الرخامية الملساء.
فى الطريق راجعة لم تستطع أن تنزع عنها هذه الصورة, لقد شغلت ملامحها بؤرة التفكير, كادت سيارة مسرعة أن تدهمها لولا لطف الله, طرقت الباب خفيفا, متوقعة أن تكون من تفتح, خاب ظنها, ما إن دخلت غرفتها حتى إستلقت بملابسها على السرير, وإنتابتها نوبة عميقة من البكاء.
لم تجرؤ أن تمسك المشرط بين أصابعها وتغمده فى الجلد اليابس, كانت تعمد الى إدارة وجهها بعيدا أثناء الشرح, لم تلتقط أذناها مما يقال الاّ القليل, كانت تخفى وجهها فى وجهه, لأول مرة ترى عينيه, كم هما صافيتين, عادت لتدس عينيها فى الكتاب, أحست كم هى مشوشة.
رأتها فى الحلم, فرحة متهللة, ضمتها الى صدرها فى طيبة وحنو, كعادتها فردت خدها لتتلقى منها قبلة, سكبت قبلتها رطبة, تلقتها بإرتياح وشوق, يدها الملساء البضة تربت عليها, قبل أن يفترقا همست لها: لا تترددى فالكل فى إنتظارك.
عاد إليها الهدوء, أقبلت على دروس التشريح بحماس, أحست كأنما تساعدها, كم كانت فى حاجة الى هذا الدعم المعنوى, حتى عصام بدا أكثر ألقا, أصبحت تحب ثرثرته, لم تعد تضايقها رائحته, عادت الى المكوث بجواره كثيرا, يقضيان أغلب الوقت فى الكافيتريا, أو فى مدخل المدرج الكبيرحيث كان ينصب مجلة الحائط الخاصة به.
بينما يسيران على الكورنيش, تسللت يده لتمسك يدها, بخجل أعطته أطراف أصابعها, أحست ببرودة أصابعه, رويدا إحتوت قبضته الكبيرة يدها, غمر يدها دفء, بينما لم تنقطع ثرثرته, عالم المسرح يتملكه, مجنون به هو, عندما يبدأ الحديث عن المسرح فإنه لا يستطيع أن يتوقف.
تعودت أن تراها فى اليوم مرتين, صباحا فى المشرحة, وليلا أثناء نومها, تعايشت مع الحدثين, أصبحت تنتظرها فى الموعد, لم تكن تستطيع تحديد سبب إنتعاشها كل صباح, هل لإنها ستراها؟, أم لأنها ستراه, تعودت عليهما معا.
بينما تخطو مسرعة فى الطريق الى الكلية, ما زال الصباح نديا , بعض الهواء البارد يلفح بشرتها, فجأة إستوقفتها يد مرتعشة تمتد إليها, نظرت إليها, لم تصدق, أغمضت عينيها وفتحتها عدة مرات, هزّت رأسها غير مصدقة .
تعمّدت التوقف , ببطأ تحركت يدها لتفتح الحقيبة, أخرجت جنيها, عينها عليها لم تسقطها, ياإلهى, , إنها هى, جدتها مرّة ثالثة, ما هذا الذى يحدث, إنها هى, وجهها, عينيها , شعرها, كل شيء , كيف تفسر ذلك, لا بد أن بها مس من جنون.
تغير مزاجها, إرتبكت خطواتها, دخلت من الباب, تمنت ألاّ تجد الجثة مكانها, تطلعت من بعيد إلى الطاولة الرخامية فى الركن, ها هى ممددة فى مكانها, أسرعت بالخروج.
فى الشارع أخذت نفسا عميقا, صاعدة فى الطريق فى إتجاه الشمال, نسائم الصباح تلفح وجهها, رائحة البحر المشبعة باليود تنعش خياشيمها, سارت على الكورنيش قليلا, أصوات النوارس تملأ المكان, على طاولة رخامية جلست, يمتد بصرها إلى الزرقة اللا متناهية.

Wednesday, June 25, 2008

آخر أعمال الشاعر..محمود درويش



"سقط القطار عن الخريطة




:عُشْبٌ، هواء يابسٌ، شَوْكٌ، وصَبَّارٌ على سِكَك الحديد. هناك شَكْلُ الشيء في عَبَثيَّة اللاّ شكل يمضغ ظلَّهُ...عَدَمٌ هناك مُوَثَّقٌ... ومُطَوَّقٌ بنقيضهِ ويمامتان تُحَلِّقانِ على سَقيفة غرفة مهجورة عند المحطّةِ والمحطّةُ مثل وَشْم ذاب في جسد المكانِ هناك أَيضاً سَرْوتان نحيلتان كإبرتين طويلتينِ تُطَرِّزان سحابةً صفراءَ ليمونيَّةً
وهناك سائحةٌ تُصَوِّر مَشْهَديْنِ: الأوَّلّ - الشمس التي افترشتْ سرير البحرِ والثاني - خُلُوَّ المقعد الخشبيّ من كيس المسافرِ
يَضْجَرُ الذَهَبُ السماويّ المُنَافقُ من صلابَتِه
وقفتُ على المحطَّة... لا لأنتظر القطارَ ولا عواطفيَ الخبيئةَ في جماليّات شيءٍ ما بعيدٍ، بل لأعرف كيف جُنَّ البحرُ وانكسر المكان كجرّةٍ خزفيّة،
ومتى وُلدت وأَين عشت، وكيف هاجرتِ الطيورُ إلى الجنوب أو الشمال. ألا تزال بَقِيَّتي تكفي لينتصر الخياليُّ الخفيفُ على فَسَاد الواقعيّ؟ ألا تزال غزالتي حبلى؟
كبرنا. كم كبرنا، والطريق إلى السماء طويلة
كان القطار يسير كالأفعى الوديعة من بلاد الشام حتى مصر. كان صفيرُهُ يُخْفي ثُغاءَ الماعزِ المبحوحَ عن نَهَمِ الذئاب، كأنه وقتٌ خرافيّ لتدريب الذئاب على صداقتنا. وكان دخانه يعلو على نار الثرى المتفتّحات الطالعات من الطبيعة كالشجيرات/
الحياة بداهةٌ. وبيوتنا كقلوبنا مفتوحةُ الأبواب
كُنَّا طيِّبين وسُذَّجاً. قلنا: البلادُ بلادُنا قَلْبُ الخريطة لن تصاب بأيِّ داء خارجيّ، والسماءُ كريمةٌ معنا. ولا نتكلَّم الفصحى معاً إلاَّ لماماً: في مواعيد الصلاة، وفي ليالي القَدْر. حاضِرُنا يُسامِرُنا: "معاً نحيا". وماضينا يُسَلّينا "إذا احْتَجْتُمْ إليَّ رجعتُ". كنا طيّبين وحالمين فلم نر الغَدَ يسرقُ الماضي - طريدَتَهُ، ويرحلُ
كان حاضرنا يُربًّي القمح واليقطين قبل هنيهة، ويرقِّصُ الوادي
وقفتُ على المحطَّة في الغروب: أَلا تزال هنالك امرأتان في امرأة تُلمِّع فَخْذَها بالبرق؟ أسطورِيَّتان - عَدُوَّتان - صديقتان، وتوأمان على سطوح الريح. واحدةٌ تُغَازِلُني. وثانيةٌ تُقَاتلُني؟ وهل كَسَرَ الدمُ المسفوكُ سيفاً واحداً لأقول: إنَّ إلهتي الأُولى معي؟
صَدَّقْتُ أُغنيتي القديمةَ كي أُكذِّب واقعي
كان القطار سفينةً بريَّةً ترسو... وتحملنا إلى مُدُن الخيال الواقعيّةِ كلما احتجنا إلى اللعب البريء مع المصائر. للنوافذ في القطار مَكَانةُ السحريِّ في العاديِّ: يركضُ كل شيء. تركضُ الأشجارُ والأفكارُ والأمواجُ والأبراجُ تركض خلفنا. وروائحُ الليمون تركض. والهواءُ وسائر الأشياء تركضُ، والحنين إلى بعيد غامضٍ، والقلب يركضُ
كُلُّ شيء كان مختلفاً ومؤتلفاً
وقفتُ على المحطّة. كنتُ مهجوراً كغرفة حارس الأوقات في تلك المحطّة. كنتُ منهوباً يُطِلُّ على خزائنه ويسأل نفسه: هل كان ذاك الحقلُ/ ذاك الكِنْزُ لي؟ هل كان هذا اللازورديُّ المبلَّلُ بالرطوبة والندى الَليْليِّ لي؟ هل كُنْتُ في يوم من الأيام تلميذَ الفراشة في الهشاشة والجسارة تارةً، وزميلَها في الاستعارة تارةً؟ هل كُنْتُ في يوم من الأيام لي؟ هل تمرض الذكرى معي وتصاب بالحُمَّى؟
أَرى أَثَري على حجر، فأحسب أَنه قَمَري وأُنشد واقفاً
طَلَليَّةٌ أُخرى وأُهلك ذكرياتي في الوقوف على المحطّة. لا أُحبُّ الآن هذا العشب، هذا اليابسَ المنسيَّ، هذا اليائسَ العَبَثيَّ، يكتب سيرة النسيان في هذا المكان الزئبقيّ. ولا أُحبُّ الأقحوان على قبور الأنبياءِ. ولا أُحبّ خلاص ذاتي بالمجاز، ولو أرادَتْني الكمنجةُ أن أكون صدىً لذاتي. لا أُحبّ سوى الرجوع إلى حياتي، كي تكون نهايتي سرديَّةً لبدايتي
كدويّ أجراسٍ، هنا انكسر الزمان
وقفتُ في الستين من جرحي. وقفت على المحطّة، لا لأنتظر القطار ولا هُتَاف العائدين من الجنوب إلى السنابل، بل لأحفظ ساحل الزيتون والليمون في تاريخ خارطتي. "أهذا... كل هذا للغياب" وما تبقَّى من فُتات الغيب لي؟ هل مرَّ بي شبحي ولوَّح من بعيد واختفى، وسألتُهُ: هل كُلَّما ابتسم الغريبُ لنا وَحيَّانا ذبحنا للغريب غزالةً؟
وقع الصدى منِّي ككوز صنوبرٍ
لا لشيء يرشدني إلى نفسي سوى حدسي. تبيض يمامتان شريدتان رسائلَ المنفى على كتفيّ، ثم تحلِّقان على ارتفاع شاحب. وتمرُّ سائحة وتسألني: أَيمكن أَن أُصوِّركَ احتراماً للحقيقة؟ قُلْتُ: ما المعنى؟ فقالت لي: أَيمكن أن أُصَوِّركَ امتداداً للطبيعةِ؟ قُلْتُ: يمكن... كل شيء ممكنٌ، فعمي مساءً، واتركيني الآن كي أخلو إلى الموت... ونفسي!
للحقيقة، هـهنا، وَجْهٌ وحيدٌ واحدٌ ولذا... سأُنشد
أنتَ أنتَ ولو خسرتَ. أنا وأنت اثنان في الماضي: وفي الغد واحد. مرَّ القطار ولم نَكن يَقِظَيْن، فانهضْ كاملاً متفائلاً، لا تنتظر أحداً سواك هنا. هنا سقط القطارُ عن الخريطة عند منتصف الطريق الساحليّ. وشبَّت النيران في قلب الخريطة، ثم أَطفأها الشتاءُ وقد تأخّر. كم كبرنا كم كبرنا قبل عودتنا إلى أسمائنا الأولى!
أَقول لمن يراني عبر منظارٍ على بُرْجٍ الحراسةِ: لا أراكَ، ولا أراكَ
أرى مكاني كُلَّه حولي. أَراني في المكان بكُلِّ أَعضائي وأسمائي. أرى شَجَرَ النخيل يُنَقِّح الفصحى من الأخطاء في لغتي. أرى عادات زهر اللوز في تدريب أُغنيتي على فَرَحٍ فجائيّ. أَرى أَثري وأَتبعه. أَرى ظلِّي وأَرفعه من الوادي بملقط شَعْر كَنْعَانيّةٍ ثَكْلى. أَرى ما لا يُرَى من جاذبيَّة ما يَسيل من الجمال الكامل المتكامل الكُلِّيِّ في أَبد التلال. ولا أَرى قنّاصتي.
ضيفاً على نفسي أَحلُّ
هُناكَ موتى يوقدون النار حول قبورهم. وهناك أَحياء يُعدُّونَ العشاء لضيفهم. وهناك ما يكفي من الكلمات كي يعلو المجازُ على الوقائع. كُلَّما اغتمَّ المكانُ أَضاءَهُ قمر نُحَاسيّ ووسَّعه. أَنا ضَيْفٌ على نفسي. ستُحْرجُني ضيافتُها وتُبْهجُني، فأشرق بالكلام وتشرقُ الكلمات بالدمع العصيّ. ويشرب الموتى مع الأحياء نعناع الخلود، ولا يطيلون الحديث عن القيامةِ
لا قطار هناك. لا أَحد سينتظر القطار
بلادنا قَلْبُ الخريطة. قلبها المثقوبُ مثل القِرْش في سوق الحديد، وآخر الرُكَّاب من إحدى جهات الشام حتى مصر لم يرجع ليدفع أُجْرَةَ القنَّاص عن عَمَلٍ إضافيّ - كما يتوقع الغرباءُ. لم يرجع ولم يحمل شهادة موتِهِ وحياتِهِ مَعَهُ لكي يتبيَّن الفُقَهاءُ في علم القيامة أَين موقعه من الفردوس. كم كنا ملائكة وحمقى حين صَدَّقْنا البيارق والخيول، وحين آمنَّا بأن جناح نسر سوف يرفعنا إلى الأعلى!
سمائي فكرةٌ. والأرضُ منفايَ الـمُفَضَّل
كُلُّ ما في الأمر أَني لا أُصدِّق غير حدسي. للبراهين الحوار المستحيلُ. لقصَّة التكوين تأويلُ الفلاسفة الطويلُ. لفكرتي عن عالمي خَلَلٌ يُسَبِّبهُ الرحيلُ. لجرحيَ الأبديّ محكمة بلا قاض حياديّ. يقول لي القضاة المنهكون من الحقيقة: كُلُّ ما في الأمر أَن حوادث الطرقات أَمْرٌ شائع. سقط القطار عن الخريطة واحترقتَ بجمرة الماضي، وهذا لم يكن غَزْواً!
ولكني أَقول: وكُلّ ما في الأمر أَني لا أُصدِّق غير حدسي
لم أَزل حيّا



http://www.alquds.com/node/26827منقولة عن موقع "القدس

Monday, June 02, 2008

فى الذكرى الثانية لرحيل نبيل الهلالى


القديس النبيل

ما كان أحوجنا اليك هذه الأيام, لم نكن فى حاجة الى اللجوء اليك فى المدلهمات والنوازل, كنت دائما حاضرا, بإبتسامتك الوادعة كطفل, وبثقتك وهدوئك الراسخين, لم تسمع يوما عن قضية عمالية أو فلاحية أو وطنية إلا كنت أول الحضور, قبل أن نفكر فيك كنت تفكر فينا, تدخل الى قاعة المحكمة بجسدك النحيل الذى هدّته السجون والمعتقلات, ونظارتك العتيقة, وإبتسامتك الصافية, وصوتك الذى لم نكن نسمعه الا همسا فى المناقشات, فإذا به صوتا جهوريا عملاقا فى الدفاع عن المظلومين, أين أنت الآن يا أبو زيد, كم نحن فى حاجة اليك.
كنت بيننا كفرد منا, بل كنت دائما تعطينا الإحساس بأنك فى حاجة الينا, كنا عندما نمارس الفعل الثورى نعتمد على أن ورائنا ظهرا قويا يحمينا, رجل بحجم كتيبة كاملة, كنت تسأل عنا فردا فردا, وكأننا أصدقاء قدامى, تعطينا الإحساس بالأمان, والقوة, والثقة فى المستقبل, لم تكن فى مصر كلها من أقصاها إلى أقصاها قضية طلابية أو عمالية أو فلاحية إلا كنت تتصدى بكل كيانك وروحك دفاعا عن الوطن.
لقد عرفت القوى السياسية جميعها فى مصر "أحمد نبيل الهلالى" كمدافع صلب فى القضايا الوطنية فى قاعات المحاكم, ولكن لم يكن الجميع يدركون دوره السياسى العظيم فى إطار الحركة اليسارية المصرية, فقد بدأ نضاله السياسى مبكرا منذ عام 1948 فى تنظيم الحركة الديموقراطية للتحرر الوطنى"حدتو" أهم وأكبر التنظيمات الشيوعية المصرية فى هذا التاريخ والتى إتخذت هذا الإسم بعد اتحادها مع "منظمة الشرارة" فى عام 1947, وذلك فى بداية إلتحاقه بكلية الحقوق, وظل طوال تاريخه الحافل متمسكا بأجمل وأنبل ما فى هذا الفكر, منحازا للفقراء والكادحين, مضحيا بحياة القصور والسرايات.
ولد" أحمد نبيل الهلالى" فى السابع من أغسطس للعام 1928بمدينة أسيوط وأسلم الروح فى 16 يونيو عام 2006, وبين رحلة الميلاد والموت حياة حافلة بالنضال والسجون والعمل السياسى والروح الكفاحية بين حركة حدتو والحزب الشيوعى المصرى الموحد1958, والحكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات بعد دفاعه السياسى فى 15 يناير 1959, ورفضه لحل الحزب فى 14 مارس 1965, ثم إعادة بناء الحزب مع عدد قليل من قياداته التاريخية على رأسهم صديق عمره ورفيق كفاحه "زكى مراد" والذى لقى حتفه فى حادث سيارة غامض, وليستمر الهلالى فى قيادة الحزب بذات الروح النضالية العالية, بعد أن كان قد تخلى نهائيا عن ثروته من ميراث والده "الباشا" آخر رئيس للوزراء بمصر قبل الثورة, ووزع تلك الثروة على الفلاحين الذين كانوا أجراء للأرض.
وعندما أطلق رفاقه لقب "القديس" عليه, كان بسبب زهده وإختياره حياة بسيطة ومتقشفة, وصلابته الشديدة فى الفاع عما آمن به, وليس أدل على ذلك من تكرار دفاعه السياسى عن التنظيم الذى ينتمى اليه, حيث أن الدفاع السياسى يعنى أن يعلن المتهم عن إنتمائه العقائدى, وأن يطرح فى قاعة المحكمة دفاعه عن هذا المبدأ, متحملا تبعات هذا الموقف, وما يترتب عليه من تحدى للسلطة, ومواجهة لعقابها.
حدث هذا مع الراحل العظيم أكثر من مرة, الأولى فيما عرف بقضية الشيوعيين الكبري، أمام محكمة المجلس العسكرى برئاسة الفريق هلال عبدالله هلال فى 15 أغسطس 1959 وأمام طوفان التعذيب والتهديد ليقدم دفاعا سياسيا عما يراه الشيوعيون لوطنهم، ويجمع رفاقه أجمعون أن دفاع نبيل كان مثالا رائعا للمناضل الثورى وأن هذا الدفاع كان من أروع ما قدم فى هذه القضية.
المرة الثانية عندما قدم مرافعة قانونية وسياسية فى قضية الحزب الشيوعي المصري عام 1981
والتى كان المتهم الرئيسى فيها, وصدرت هذه المرافعة فيما بعد فى كتاب بعنوان" حرية الفكر والعقيدة , تلك هى القضية", دفاعا عن حرية الفكروالإنتماء, وعن مبادئ وأفكار وخط الحزب.وإختتم نبيل الهلالى مرافعته بالقول (إسمحوا لي أن أختم مرافعتي بأن أعبر عن ثقتي الكاملة في أن ترزية القضايا مهما تفننوا في الاختلاق ومهما أتقنوا فنون التلفيق سيكونوا عاجزين لا محالة عن تضليل العدالة؛ لأن العدالة تظل لها عينها الساهرة، وهي دوما قادرة على انتشال الحقيقة من تحت ركام الأباطيل..).
وأذكر هنا واقعة طريفة حدثت أثناء التحقيق فى هذه القضية, عندما كانت النيابة تحقق فيها, وبسؤال أحد المتهمين (ولم يكن عضوا بالحزب) ما إذا كان يعرف المدعو "نبيل الهلالى" فأجاب مازحا أنه لا يعرف سوى "أبو زيد الهلالى", وكانت المشكلة أن الإسم الحركى لنبيل الهلالى هو أبوزيد.
لم تكن لتملك الا أن تحبه, وأن تحترمه مهما إختلفت معه, لذا فقد إختاره زملائه المحامين لعضوية مجلس النقابة لمدة 22عاما متتالية, وذلك فى الفترة من 1968 إلى 1992, وقد كان ديدنه دائما, وبوصلته فى الحياة هو حرية الرأى, والدفاع دائما عن أصحاب الفكر حتى لو إختلفوا معه, أو كفّروه كما حدث كثيرا, لقد دافع عن المتهمين فى قضايا التكفير والهجرة وقضايا الجهاد والإخوان المسلمين وجميع قضهيا الرأى والفكر فى مصر وأدى به ذلك الى الإختلاف مع رفاقه وأصحاب مسيرته, وهو ما حدث بالفعل حين إنفصل عنهم عند هذه النقطة تحديدا, منشقا عن الحزب الأم, مشكلا "حزب الشعب الإشتراكى" فى عام 1987 ليستمر فى التعايش مع مبادئه فى الدفاع عن المختلفين معه فى الرأى من الجماعات الإسلامية المتطرفة والإخوان المسلمين تحديدا, وكل صاحب رأى أو فكر.
لذا فلم يكن من المستغرب أن يودعه الجميع بكل المحبة والتقدير, فقد ضمت جنازته جميع ألوان الطيف السياسى فى مصر, من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين, كان فى وداعه التروتسكيين والشيوعيين والناصريين والليبراليين والإخوان والمتشددين دينيا, وأيضا ممثلين للحزب الوطنى الحاكم.
وقد كان الفقيد يملك روح دعابة متميزة, يفلسف فيها الظروف القاسية للتخفيف عن الرفاق فى محنتهم, يذكر أنه فى الأوردى وتحت طائلة الجوع , كون فريقا من الرفاق ينحتون القشر المتبقى من البطيخ وأطلق عليهم إسم"فريق النحت الذهبى", وأنشأ كذلك بنفس السجن مجلة هوائية يومية ,ضمّنها موضوعات سياسية وثقافية وفنية وفكاهية, وشارك فيها كل المساجين.
هكذا انطوت صفحة مضيئة من صفحات النضال الوطنى, وترجل القديس النبيل من فوق صهوة جواده فى جلال ومهابة, راحلا فى صمت كما عاش فى صمت, آخر فرسان هذا الزمان.
طبت حيا وميتا يا رفيق.


صفحات من حياة ( أحمد نبيل الهلالي)
• الأسم: أحمد نبيل الهلالي • نجل نجيب باشا الهلالي أخر رئيس وزراء للدولة المصرية فى العهد الملكي• من مواليد 7/8/1928 • حاصل على ليسانس الحقوق عام 1949 واشتغل بالمحاماة من هذا التاريخ • انتخب عضوا فى مجلس نقابة المحامين فى الدورات المتتالية منذ عام 1968 حتى 1992 • انضم للحركة الشيوعية المصرية منذ 1948 وكان أحد كوادر الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى"حدتو"• اعتقل مطلع عام 1959 واستمر الاعتقال لمدة خمس سنوات ثم اعتقل مرة أخري عام 1965 ورفض التوقيع على حل التنظيم شرطا للإفراج عنه واستمر الاعتقال أربع سنوات.• له مؤلفات منها كتاب حرية الفكر والعقيدة .. تلك هى القضية وهو عبارة عن مرافعة قانونية وسياسية فى قضية الحزب الشيوعي المصري عام 1981 والتى كان هو أحد المتهمين فيها وكتابه الأخير هو "اليسار الشيوعي المفتري عليه.. ولعبة خلط الأوراق"وهو عبارة عن ردود على الأكاذيب التى استخدمتها الرجعية المصرية فى حربها ضد الشيوعيين المصريين.• اعتبر مكتبه مقصداً لكل العمال والمقهورين بالإضافة إلى شهرته الذائعة فى الدفاع عن الخصوم السياسيين للسلطة المصرية وخاصة دفاعه عن أعضاء الجماعات الإسلامية وتيار الإسلام السياسي عموماً،أشهرها مرافعته عن المتهمين فى قضية أغتيال رئيس مجلس الشعب الآسبق "د.رفعت المحجوب" ومرافعته فى قضية" الدكتور عمرو عبد الرحمن" بالإضافة إلى مرافعاته فى القضايا العامة مثل قضية أحداث يناير 1977 وقضية إضراب السكة الحديد عام 1986 وقضية حريق قطار الصعيد،ومرافعته فى قضية المستشاريين "هشام البسطاويسي" و"أحمد مكي" وغيرها من القضايا العامة.• توفي فى يونيو عام 2006

Friday, March 28, 2008

أُمةٌ فوق الصّليب


علّقونا أمةً كاملةً فوق الصليب

علّقونا فوقه -

حتى .. نتوب

هذه النكسة ليست

آخر الدنيا ..

ولا نحن عبيد

فأمسحوا أدمعكم

وادفنوا القتلى

وقوموا من جديد

أيها الناس الحزانى

أنتم الدنيا

وأنتم منبع الخير الوحيد

أنتم التاريخ

والمستقبل الباسمُ

في هذا الوجود

فتعالوا نشبك الأيدي يالأيدي

ونمشي في اللهيب

فغدُ الأحرار إن طال

وإن طال

قريب

شعر: توفيق زياد

Thursday, February 14, 2008

من الشعر الأندلسى














ياليل الصب متي غده؟
أقيام الساعة موعده

رقد السمار فأرقه
أسف للبين يردده

فبكاه النجم ورق له
مما يرعاه ويرصده
كلف بغزال ذي هيف
خوف الواشين يشرده

نصبت عيناه لي شركا
في النوم فعز تصيده

وكفي عجبا أني قنص
للسرب سباني أغيده

صنم للفتنة منتصب
أهواه ولا أتعبد
صاح والخمر جني فمه
سكران اللحظ معربده

ينضو من مقلته سيفا
وكأن نعاسا يغمده

فيريق دم العشاق به
والويل لمن يتقلده

كلا لا ذنب لمن قتلت
عيناه ولم تقتل يده

يا من جحدت عيناه دمي
وعلي خديه تورده

خداك قد اعترفا بدمي
فعلام جفونك تجحده
إني لأعيذك من قتلي
وأظنك لا تتعمده

بالله هب المشتاق كري
فلعل خيالك يسعده

ما ضرك لو داويت ضني
صب يضنيك وتبعده
لم يبق هواك له رمقا
فليبك عليه عوده

وغدا يقضي أو بعد غد
هل من نظر يتزوده

يا أهل الشوق لنا شرق
بالدمع يفيض مورده

يهوي المشتاق لقائكموا
وصروف الدهر تبعده
ما أحلي الوصل وأعذبه
لولا الأيام تنكده

بالبين وبالهجران فيا
لفؤادي كيف تجلده

Monday, February 11, 2008

سلطة بلدى....والمعادلة الصعبة


لم تكن الضجة المثارة عن الفيلم التسجيلي الطويل"سلطة بلدى" للمخرجة الواعدة نادية كامل إلا تعبيرا حقيقيا عن الإشكالية القائمة فى المجتمع حول التطبيع مع إسرائيل, نتيجة لتصاعد الدور العدوانى الإسرائيلى فى المنطقة
وقد سنحت لى فرصة مشاهدة هذا الشريط بدعوة من أحد الأصدقاء فى صالة العرض بكنيسة الجزويت بالأسكندرية يوم الثلاثاء 29يناير بحضور مخرجة الفيلم لأكتشف أن موضوع التطبيع مبالغ فيه كثيرا حيث أن الفيلم عبارة عن رؤية ذاتية لمخرجة مجتهدة تتناول فيه تاريخ إختلاط إثنى ودينى وعرقى لأسرتها المتعددة الجذور
الأم مارى روزنتال أو نائلة كامل مولودة لأب يهودي مصري وأم مسيحية إيطالية.
الأب سعد كامل مسلم مصري شيوعي.
إبن الأخت نبيل"الحفيد" مولود لأب فلسطيني وذو جذور مختلطة, مصرية-إيطالية-روسية-لبنانية-قوقازية-تركية-أسبانية.
أي يمكن اعتبار هذه التركيبة "سلطة بلدي" من طماطم وخيار وبقدونس وجرجير وأشياء أخرى.
يبدأ الفيلم بكادر لصلاة العيد فى ميدان عام حيث تصاحب الخالة إبن أختها نبيل ليتعرف على بيئته, حيث يسمع فى الخلفية صوت الخطيب زاعقا فى ميكروفون المسجد بالدعوات على اليهود والكفار, لتبدأ التيمه الأساسية للفيلم عن سؤال الهوية للطفل الصغير نبيل وتتولى الجدة التوضيح له لتزداد الأمور أمامه تعقيدا, بينما تحاول الجدة بذهنها المشوش, وعربيتها المكسّرة الاستعانة ببعض الصور والوثائق, التى تزيد الأمور ضبابية لعقل طفل فى العاشرة, ليصعب أمامه فك طلاسم شهادة ميلاد جدته المكتوب بها فى خانة الديانة إسرائيلية (أى من بني سيدنا إسرائيل"يعقوب" عليه السلام
عند هذه النقطة تتدخل الخالة "المخرجة" بنفسها محاولة أن تساعد نبيل فى البحث عن أصوله, وراغبة فى حل مشكلة فقدانه للهوية, لعدم وجود دولة للفلسطينيين, وتبدأ المشوار بذهابهم إلى إيطاليا حيث أخوال الجدة يعيشون, وهناك يتحدث خال الجدة كيف أن نظام عبد الناصر أرغمهم على مغادرة مصر التى ولدوا فيها, واكتسبوا جنسيتها, وعاشوا فيها معظم حياتهم, حيث لم يعترف بهم وطنهم الأصلي عند عودتهم, وكيف أنهم عانوا كثيرا كى يكسبوا هويتهم الجديدة القديمة, حيث تبّدى للأسرة صعوبة وضع الحفيد
برحلتها الإيطالية تتفتح شهية الجدة للمغامرة, ورغبة البحث عن الجذور, ليستيقظ داخلها جذرها اليهودي النائم منذ أكثر من خمسين عاما, حيث رحل الى إسرائيل بعض أفراد الأسرة من اليهود المصريين إماّ عن رغبة فى دعم الدولة الصهيونية, أو هربا من اضطهاد النظام الناصري (مما يجدر ذكره أن السلطات المصرية كانت قد ألقت القبض على جميع اليهود المصريين أثناء العدوان الثلاثي فى ودفعتهم بعد ذلك الى الخروج الجماعي وذهاب أغلبهم إلى إسرائيل
تبدأ الجدة فى طرح رغبتها فى التواصل مع أقاربها فى إسرائيل, وتتلقف المخرجة هذه الفكرة, لتطرح إمكانية تحويلها الى واقع ملموس, ويبدأ حوار طويل حول الفكرة, ومن تردد الأب سعد كامل الشيوعى القديم, وصدمة الجانب المحافظ من الأسرة الذى يفاجأ بالجذور اليهودية للجدة, ورغبة هذه الجدة فى عدم التنكر لماضيها الشيوعى, هذا الماضى الذى لم يكن يوما حائلا أمام هذا التواصل, فتاريخ الحركة الشيوعية المصرية يرتبط تاريخيا بنضالات اليهود المصريين لتأسيس وقيادة الحركة الشيوعية فى النصف الأول وبدايات النصف الثانى من القرن العشرين منذ قيام جاكو دى كومب بتكوين رابطة أنصار السلام عام حيث توالى الشيوعيون المصريون تأسيس المجموعات الشيوعية والعمل على دمج المصريين فيها مثل
هنرى كوريل وتأسيس الحركة المصرية للتحرر الوطنى
هليل شوارتز وتأسيس منظمة أيسكرا
مارسيل اسرائيل وتأسيس منظمة تحرير الشعب
وقد شارك فى النضال الشيوعى ونظر له المئات من اليهود المصريين برزت منهم أسماء عديدة منها صادق سعد ويوسف درويش وريمون دويك وأوديت حزانى وشحاتة هارون وكثيرون, وكونوا اللجنة اليهودية المعادية للصهيونية, بل أنهم بعد طردهم من مصر إستمروا فى دعمهم للحركة الشيوعية المصرية من خلال مجموعة روما, كما أنه من المعروف قيام هنرى كوريل من منفاه فى باريس بإبلاغ عبد الناصر بموعد الضربة الجوية فى يونيو1967, ولذا فإنه لا مجال للمزايدة عليهم.
على كل حال تتم الرحلة الى إسرائيل فى قمة أحداث الفيلم, وبعد مشاهد الإستقبال الحارة, واللقاء العاطفى الحميمى بين الجدة وإبنة الخالة سيرينا تبدأ ذكريات ومشاعر إنسانية فى التدفق حول ذكرياتهم فى مصر, وعرض الشريط مشاهد من التعايش والتسامح الذى عاشوه قبل حروب العرب مع إسرائيل, وذكرياتهم عن الخروج الحزين والخشن من مصر, والوصول المهين الى إسرائيل.
وينتهى الفيلم برحلة العودة, والمرور براماللة , عبر نقاط التفتيش والحواجز الإسرائيلية, ومنع المخرجة من التصوير, وعرض مشاهد الجدار العازل, وفى راملله لا يسمح لهم بالذهاب الى غزة, وتتحدث الجدة عن عدم إمكانية حل النزاع العربى الإسرائيلى فى هذا الجيل.
لقد ساهمت نادية كامل فى إلقاء حجر فى بركة من الماء الراكد, لتحرك الكثير من المشاعر المختزنة والعقد التاريخية, والصراع الممتد عبر أجيال متعاقبة, بالرغم من أن الشريط يرصد حركة الناس العاديين على الجانبيين, ونظرتهم المتسامحة للحياة وللآخر, لذا فإن الفيلم ظلم كثيرا من نقاّد قد لا يكونوا شاهدوه أصلا, وذلك من خلال نظرة أحادية الجانب, وكأن المخرجة تهدف فقط الى التطبيع مع إسرائيل, ليس هذا فقط بل وصل الأمر الى وقف عضوية المخرجة بنقابة الممثلين وإحالتها للتحقيق.
فى إعتقادى أنه من السهل إتخاذ موقف المقاطعة بدلا من المواجهة, وهذه المقاطعة قد تبدأ بإسرائيل ولا تنتهى بالغرب كله, بل تشمل حتى فلسطينيي 48 بصفتهم يحملون الجنسية الإسرائيلية, كما ذكرت الفلسطينيتين اللاتى تحدثن فى الفيلم, غافلين أن المناداة بحق العودة يشمل عودة فلسطينيي الشتات الى دولة إسرائيل وحمل جنسيتها.

Saturday, January 26, 2008

حين ميسرة...........والأحلام المجهضة.



يعد فيلم حين ميسرة من الأفلام الجادة والهامة جدا فى مسيرة السينما المصرية, والذى يمثل علامة هامة فيما يعرف بسينما الواقعية المصرية الحديثة, والتى تتجاوز نوعية من الأفلام الجيدة لمخرجين من العيار الثقيل أمثال محمد خان وخيرى بشارة وعاطف الطيب ورضوان الكاشف وداود عبد السيد وغيرهم, هؤلاء النخبة من المخرجين الذين أنزلوا السينما المصرية من موجة أفلام الرومانسية والإستعراض ذات الطابع الجنسى الفج, التى تلت هزيمة 1967, الى أرض الواقع, وإلى نوعية من الأفلام تخاطب عقل المشاهد, وأبجديات الحرفة السينمائية.
وقد حاول خالد يوسف أن يقترب بشدة من منطقة مليئة بالألغام, حين وجّه الكاميرا ناحية العالم السري للمناطق العشوائية, التى أصبحت كالبثور المرضية تملأ وجه مصر, لتعبر عن واقع مرير, لحياة دونية هى أشبه بحياة الكلاب والقطط والحيوانات الضالة, والتى يحاول الأغنياء والرأسماليون الجدد إخفائها عن عيون أولادهم, وعيون السيّاح, بحاجز من اللوحات الإعلانية الضخمة, الغارقة فى أضواء النيون, تحمل إعلانات عن أغانى هابطة, ومستحضرات تجميل, وقرى سياحية فاخرة.
لقد إختار خالد يوسف الطريق الأكثر صعوبة, فبدلا من أن يتوجه بكاميرته إلى منطقة كشرم الشيخ أو مارينا ليصنع فيلما يعتمد على بطل ومجموعة من الحسناوات, إختار أن يهبط الى قاع المدينة ومناطقها العشوائية, حيث القبح والفقر والتفسخ الإجتماعى, والتحلل الأخلاقى, والقيم المهدرة, والحياة الغير إنسانية, فيما يشبه الصرخة الحادة الصادمة, فيما يدور الحديث عن 15 مليون من البشر فى مصر يعيشون فى هذه الأحياء, لتثير الكثيرين من مدعى الأخلاق المزيفين, ومن الذين يرتدون عباءة الدين والوطنية الجوفاء, وعلى رأسهم شخص مثل الدكتور عبد الصبور شاهين الذى فجّر القضية المشهورة بتكفير نصر حامد أبو زيد, والشيخ يوسف البدرى المتخصص فى رفع القضايا على المثقفين, ومجموعة من مرتزقى الإسلام السياسى من أعضاء مجلس الشعب من الحزب الوطنى والإخوان, الذين لم يروا فى الفيلم إلا أنه دعوة للمثلية الجنسية فى مشهد لم يتجاوز الثلاث دقائق, متجاوزين مآسى هذه الشريحة الضخمة من البشر, التى لم يتدخل الفيلم إلاّ في إضاءة المشهد لنكتشف أننا جميعا عرايا, وينكشف المستور والمسكوت عنه.
وحتى هذا المشهد الصغير الذى مثلته الفنانتين سمية الخشاب وغادة عبد الرازق, قد أحيا الثورة التى واجهها فيلم "عمارة يعقوبيان" حين تعرض للمثلية الذكورية, وكأن العودة الى الوراء التى تطغى على جميع جوانب الحياة فى المجتمعات العربية والإسلامية, قد أدت الى دفن الرؤوس فى الرمال, وعدم كشف الأخلاقيات المنهارة بحجة الحفاظ على القيم, علما بأن موضوع المثلية قد تكرر فى أفلام قديمة, عندما كانت الحياة أكثر تفتحا, وكانت اهتمامات الناس مختلفة, وأذكر المشاهد بفيلم "الصعود الى الهاوية" والمشهد الذى جمع بين مديحة كامل وإيمان.
ولكن كل ما سبق ذكره لا يمنع من أن بالشريط نقاط ضعف كبيرة أحاول أن أوجزها فيما يلى:
ا-حاول الفيلم كعادة المخرج أن يجمع كل القضايا التى تشغله فى فيلم واحد, العشوائيات والفقر والإرهاب وأطفال الشوارع والتعذيب وحتى المثلية, ولم ينسى أية قضية منها, مما جعل الفيلم مفككا وأفقد المخرج الكثير من التركيز. 2-ركّز المخرج كثيرا على الجوانب السلبية لهذه الشريحة الكبيرة من سكان العشوائيات, مغفلا جوانب أخرى إيجابية عديدة, وقد كانت لى شخصيا تجربة معايشة هذه الشريحة لمدة طويلة, حيث أقمت فى إحدى المناطق العشوائية بالأسكندرية فى السبعينات, وكان نسبة كبيرة من سكانها من الطبقة المتوسطة التى إضطرتها ظروف الحياة والإنهيارالطبقى الذى واكب الإنفتاح الإقتصادى الى الإنتقال لهذه المناطق, خاصة الذين إنهارت منازلهم ووجدوا أنفسهم فجأة فى الشارع بأسرهم, وليس لديهم أى شيئ ففضلوا سكنى عشة فى العشوائيات بدلا من الحياة على الرصيف, وقد شاهدت بأم عينى صورا إنسانية مبدعة من التضامن والتكافل بين هؤلاء البشر. 3- حاول الفيلم كغيره من الأفلام التجارية الإعتماد على التيمة التقليدية للأفلام التى تبرر الإنحراف بالظروف, كأن يدفع الفقر البطل لتجارة المخدرات أو الإجرام, فى تقليد باهت لأفلام كلاسيكية عظيمة كسعيد مهران فى اللص والكلاب, وكذلك المرأة التى ترغمها الظروف الإقتصادية وزوج الأم الى السقوط, والتحول الى راقصة وعاهرة, مشاهد أبدع فيها تاريخيا حسن الإمام. 4- إقحام الكثير من الموضوعات الجانبية بالفيلم مثل موضوع المثلية الجنسية الذى لم يكن مبررا والواضح أنه كان لأسباب تجارية لا علاقة لها بالسياق الأساسى للفيلم, وكذلك موضوع حرب الخليج الثانية وتنظيم القاعدة, وفرضية الأخ الغائب أو المخلّص في الوعي الشعبي, الذي على يديه خلاص الأسرة والحارة، ليفاجئنا المخرج بكونه أحد زعماء القاعدة, وتجرى عملية تعذيب فاشية لكل الحارة تحت ذريعة جمع معلومات عن مكان وجوده. 5- الإنتقال الغير منطقي لمعظم الشخصيات, مما تسبب في إحداث خلل في البناء الدرامى لها, فشخصية عادل تتحول من الخير الى الشر الى الإجرام بشكل غير مبرر, كذلك ما حدث لعمرو عبد الجليل الذي بدا فى المشاهد الأولى للفيلم كمجرم محترف لنفاجأ الى تحوله بعد ذلك الى مجرد مهرّج بطريقة طفولية ساذجة, وكذلك شخصية أحمد بدير وغيرها من الشخصيات. 6- القفزات الزمنية المفككة كما حدث للطفل الذى أنجبته ناهد, وغياب المبرر الحقيقى لتحوله الى متشرد, وكأن جينات الصعلكة تجرى فى دمه. 7- المبالغة فى قوة الإرهابيين وعددهم وخططهم الدقيقة فى الإيقاع بأجهزة الأمن والإنسحاب الدقيق والمنظم, مع تضخيم قوة خيالية لنيرانهم, مما قد يؤدى إلى عكس المقصود. 8- محاولة المزج الدرامي لواقع قدري مفتعل في مشهد النهاية وكأننا نشاهد أحد روائع حسن الإمام أو فيلم هندي, ليجمع الأب والأم والابن في مواجهة قطار الحياة, وداخل قطار الواقع في محاولة الهروب من واقعهم.
- الأب الهارب من واقع أليم الى مصير مجهول.
- الأم التى لوث الفقر ماضيها, ولوث المال حاضرها, هاربة هى أيضا الى المجهول.
- الابن المشرد القاتل الطريد, والذى يحمل أيضا إبنا مجهولا, ويتجه الى مستقبل مجهول.
الكل يبحث عن الآخر ولكنهم يسيرون فى خطوط متوازية لا تلتقى أبدا.
بيد أن الفيلم صنع بحرفية متقنة, ووظف المخرج إمكانيات ممثليه بشكل متمكن, وإن كانت الرائعة هالة فاخر قد تفوقت على نفسها, كذلك جاء دور عمرو سعد وسمية الخشاب مقنعا.
يبقى فى النهاية شرف إقتحام هذه المناطق الملغومة والصعبة للمخرج المتميز خالد يوسف, فستظل مثل هذه الأماكن تفرخ أسوأ ظاهرة غير إنسانية وهى الإرهاب, والشاهد القريب على ذلك هى أحداث"نهر البارد".

Tuesday, November 27, 2007

احاسيس شاعر



مضناك جفاه مرقده
وبكاه ورحّم عودهُ
حيران القلب معذبه
مقروح الجفن مسهدهُ
يستهوي الورق تأوهه
ويذيب الصخر تنهدهُ
ويناجي النجم ويتعبهُ
ويقيم الليل ويقعدهُ
الحسن حلفت بيوسفهِ
والصورة أنك مفردهُ
وتمنت كل مقطعةٍ
يدهالو تبعثُ تشهدهُ
جحدت عيناك ذكي دمي
أكذلك خدك يجحده
قد عز شهودي إذ رمدا
فأشرت لخدك أشهده
بيني في الحب و بينك ما
لا يقدر واشً يفسدهُ
ما بال العاذل يفتح لي
باب السلوان وأوصدهُ
ويقول تكاد تجن به
وأقول وأوشك أعبدهُ
مولاي وروحي في يده
قد ضيعها سلمت يدهُ
ناقوس القلب يدق له
وحنايا الأضلع معبدهُ
قسما بثنايا لؤلؤها
قسم الياقوت منضده
ما خنت هواك ولا خطرت
سلوى للقلب تبرده
أحمد شوقي

Wednesday, October 17, 2007

الملك فاروق....والدراما التاريخية



حظي مسلسل الملك فاروق والذي تم إنتاجه و بثه حصرا فى 33 حلقة خلال شهر رمضان وعيد الفطر بأعلى نسبة مشاهدة بين المصريين والعرب على اختلاف فئاتهم وأذواقهم, وذلك رغم كونه من الأعمال التسجيلية التاريخية من خلال التناول التاريخي الصارم لشخصية آخر ملوك أسرة محمد على والذي ارتقى عرش مصر وعمره سبعة عشر ربيعا عاما بعد رحيل والده فؤاد الأول عام 1936 وحتى نفيه الى ايطاليا فى يوليو 1952 بعد قيام الثورة.
ويسجل المسلسل بالتفصيل قصة ملك مصر خلال الخمسة عشر عاما التي تولى فيها الحكم(37-52) راسما تفاصيل القصور الملكية وحياة الأسرة العلوية ورجالات السياسة والحكم وعلا قات قصر عابدين (المقر الملكي) بقصر الدوبارة(مقر المندوب السامي البريطانى) وأيضا العلاقة مع الوفد حزب الأغلبية التقليدي وأحزاب الأقلية من سعديين وأحرار دستوريين وكتلة وفدية ولكن يعاب على المسلسل عدم إظهاره للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمصريين العاديين من فقراء وفلاحين وطبقة وسطى وحصر التصوير داخل القصور الملكية وكواليس البيوتات الراقية ومبنى البرلمان والسفارة الانجليزية وبعض المواكب الملكية.
ولعل الاقبال الجماهيري العالي على مشاهدة المسلسل يمكن تفسيره في رغبة المصريين في الاطلاع على حقبة كاملة من تاريخهم كانت مغيبة عن وعيه لأكثر من نصف قرن وشابها الكثير من التعتيم والإلغاء لكل ما سبقها وكأن تاريخ مصر لم يبدأ إلا بعدعام 1952 مثلما كان يصنع فراعين مصر من محو صور وتاريخ من سبقوهم من على المسلات تصديقا لمقولة أن التاريخ يصنعه المنتصرون , ووصل ذلك إلى تشويه صورة الملك فاروق في أفلام الأبيض والأسود التي تم إنتاجها قبل الثورة وحجب اسم الملك من أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب والتشويه الكامل للحياة الحزبية والدستورية ونعت تلك المرحلة بالعهد البائد والأسود , لذا شكل هذا المسلسل صدمة ذهنية للأجيال الشابة التي فوجئت بتاريخ مختلف عن ذلك الذي قرأت عنه في الكتب المدرسية الرديئة من ملك فاسد لا يفيق من الخمر مرتميا طوال الوقت في أحضان الراقصات وفساد الحاشية والأحزاب وكل شيء في مصر متناسين أن مصر خرجت من الحرب الثانية تدين بريطانيا العظمى بملايين الجنيهات بأسعار ذلك العصر.
كما أن المشاهد العادي كان يسقط واقعه المعاش في عقله الواعي وما يشاهده من ملكية مقيدة تمنع على الملك حتى تعيين معاونيه وتقييد أوجه إنفاقه وبين ما يراه من استفتاءات ال99.9% ونظام جمهوري يسمح للرئيس أن يبقى في الحكم مدى الحياة ويسعى إلى توريث ابنه من بعده وفساد يطال الركب وانقسام طبقي حاد بين أقلية تملك كل شيء وأغلبية لا تملك شيء.
على أن رغبة المشاهد في التعرف على حقبه هامة ومؤثرة من تاريخ بلده, وحنينه الفطري إلى الماضي, لا يقلل من قيمةهذا العمل الجميل, من رسم دقيق وأداء متألق للشخصيات, وديكور رائع, وميكياج وملابس ومؤثرات صوتية وإضاءة (بتكلفة إنتاج تجاوزت 5,5 مليون دولار) تعلى من قيمة هذا العمل وتفوقة, رغم محاولات البعض الربط بين جهة الإنتاج كونها سعودية وما سبق المسلسل من بث مقابلة مع الأميرة فريال ابنة الملك فاروق على قناة العربية التى تتبع نفس المالك السعودى وبين محاولة تبييض وجه الأنظمة الملكية (كما جاء في مقابلة متلفزة مع الكاتب المبدع أسامة أنور عكاشة).
أيضا لم تتوقف هذه الحملة على جهة الإنتاج بل حاولت التعرض لهذا العمل الجميل كون أن من قام بإخراجه ومن جسّد شخصية الملك فاروق ليسا مصريين بل من ا السوريين وهذه في رأيي نعرة جديدة على المصريين الذين وطوال تاريخهم الفني الرائد لم يفرقوا يوما ما بين مصري وعربي ويهودي وقد إمتلأت الساحة المصرية الفنية طوال القرن الماضى بعديد من الأسماء التى يصعب حصرها ولا ننسى دور الجاليات الأجنبية في مصر فئ إثراء مسيرة الحياة الفنية المصرية ابتداء من أبو خليل القباني في المسرح وتوجو ومزراحى فى السينما وأند ريا رايدر في الموسيقى , وحتى إذا كان من جسّد شخصية الملك سوريا فان فاروق نفسه كان من أصول ألبانية.
وقد عرف الجمهور المصري تيم حسن في دور نزار قباني والتقى بالمخرج حاتم على في كثير من روائعه التاريخية مثل صقر قريش وربيع غرناطة وملوك الطوائف ولذا فهم ليسوا غرباء عليه ولكنهم تفوقوا على أنفسهم هذه المرّة فقد أبدع تيم فى دور الملك فاروق وأدى الشخصية أداء رائعا لولا بعض العصبية والمغالاة أحيانا, كذلك كان حاتم على مفاجئة لكل من شاهد العمل من تملك لأدوات إنتاجه ورسم شخصيات العمل بتملك واقتدار وتوظيف ثرى للطاقات الفنية للممثلين.
كما كان الورق الذي صاغته أنامل طبيبة الأطفال الرقيقة الدكتورة لميس جابر زوجة الفنان المبدع يحيى الفخرانى ,هذا النص الذي أنفقت خمسة عشر سنة من عمرها في جمعه وتصنيفه ليخرج لنا بكل هذا القدر من الجمال والاقتدار بالرغم من أن الاهتمام الأكاديمي المفرط أثّر على النواحي الفنية للعمل ككل ,مع عدم نفينا لتأثر العمل ببعض رؤاها الشخصية مثل انحيازها للوفد وتبرير مواقفه حتى في حادث 4 فبراير, وتعاطفها مع الملك فاروق في كثير من المواقف بل الأخطاء , ولكن هذه طبيعة الأشياء فكل من كتب عن الملك فاروق أمثال عبد الرحمن الرافعي أو طارق البشرى أو عبد العظيم رمضان وغيرهم كان متأثرا باتجاهه الشخصي.
على أن فريق العمل الذي قام بالتمثيل تم اختياره بشكل دقيق وأقرب مايكون للشخصية التي جسدها كل منهم, وشخصيا كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة إلي أداء معظم الممثلين في أدوار جديدة عليهم إلى حد كبير, فعدا عن تجسيد تيم حسن شخصية الملك فاروق بشكل دقيق , فقد أجادت وفاء عامر فى دور الملكة نازلي برغم كونها صغيرة نسبيا على تمثيل دور أم الملك فاروق لولا إتقانها للدور وجودة الميكياج, كذلك كان صلاح عبد الله في شخصية النحاس باشا في دور جاد وجديد عليه وان كان يعاب عليه عدم القدرة على إخفاء طابعه الكوميدى فى العمل, كذلك أبدع الجميع في تشخيص أدوارهم ,نبيل الحلفاوى في دور على ماهر و هادى الجيار فى دور مكرم عبيد وعزت أبو عوف في دور أحمد حسنين وبسّام رجب في دور فؤاد سراج الدين ومنة فضالى فى دور الملكة فريدة وغيرهم كثيرون , حتى بعض الممثلين الذين كانوا يؤدون أدوارا بسيطة فيما سبق مثل ذلك الممثل الذي أدى دور محمد محمود باشا بلكنته الصعيدية المحببة( للأسف نسيت اسمه), كذلك جاء أداء دور لورد لامبسون المندوب السامى وانجليزيتة الطلقة شهادة للعمل, أما دور السيدة زينب الوكيل والذى لعبته الفنانة إنتصارفلم تستطيع اظهار هذه الشخصية القوية والمتسلطة على النحو المطلوب, كما لم يخلو المسلسل من بطأ واطالة فى بعض أجزائه مثل حادث 4 فبرايرالذى إستغرق أكثر من حلقة وكذلك الحادث الذى تعرض له الملك فى القصاصين, وأيضاأخذ على المؤلفة اختصارها لبعض الأدوار والشخصيات مثل دور حسن البنا والإخوان وكذلك دور اسماعيل صدقى واحداث 1946, وإغفالها لتحول الملكة الأم الى الديانة المسيحية قبل وفاتها بأمريكا وإن كان ذلك أفضل على كل حال بسبب الإحتقان الطائفى الذى نعيشه.
على أن مراجعة وتدقيق دكتور يونان لبيب رزق للعمل أعطاه مصداقية اضافية وجعل العمل أكثر توازنا فى سرده للأحداث مبرزا نزوات الملك وتأثير حاشيته الايطالية عليه واستخدامه المفرط والخاطئ فى اقالة الوزارة وحل البرلمان وتلك هى المثلبة الكبرى لدستور 1923 , وعلاقته الأوديبة المعقدة بأمه لدرجة أن بعض المشاهد تذكرنا بفيلم هاملت حول الملكة الأم بالدنيمارك.
يبقى من هذا المسلسل أنه ساهم فى انعاش ذاكرتنا لتذكر إحداث تلك المرحلة العصيبة من تاريخ بلدنا, ويبقى أيضا سؤالا محروجا حبيس الصدور.
ماذا لو لم يتم الانقلاب فى 1952 واستمرت الملكية المقيدة, والحرية البرلمانية والحزبية والصحافة على ما هى عليه؟ ألم يكن بالإمكان أن تصحح الديموقراطية أوضاعها؟؟؟
سؤال لا أستطيع الاجابة عليه وحدى.......

Thursday, September 13, 2007

إلتباس



كان يعرف كل شيء
طقسى اليومى
ألوان الملابس
ذوقى فى الغناء
موعد دورتى الشهرية
إسم العطر المحبب لى عند الصباح

كان يعرف كل شيء
عندما أشكو صداعا
أننى موجوعة من داخلى
أرغب فى البكاء

لم يكن أحتاج للحكى لكى يعرف
كان يفتحنى كما يفتح كتابا
أو جريدة
يقرأنى
وما بين السطور

كان يعرف كل شيء
كان يعلم قبل أن أخبره عن أى شيء
عندما تعلو على شفتى طيف لابتسامة
كان يقرأ
ما الذى فى داخلى
يبتسم ..من طرف لحظ
بدهاء


عندما كنت أراوغ
أدعى بى رغبة للنوم
أو
حاجتى للإنفراد
كان يتركنى وحيدة
يبتعد
( ليس كثيرا)
ويعود
عندما أحتاج أن ألقى بنفسى
فوق صدره

عندما كان يغيب
ويعود
كان يحملنى على كتفيه
يدوخنى
وينزلنى على الأرض رقيقا
مثل دمية




مثلما تنشق أرض
مثلما ينهار جبل
مثلما الليل ثقيلا
مثلما البحر غموضا
هكذا دون ضجيج
وبلا أدنى علامة
إختفى منى بعيدا

يا طيور البحر هل مّر هنا يوما حبيبى
يا طيوف السحر هل حامت بكم ذكرى حبيبى
يا غيوم الفجر هل ران لكم طيف حبيبى

إن تكن ذكرى وراحت
أويكن حلما جميلا
أو تكن فى الغيب مسطورا
ولم تدنو إلىّ

إنما ما سوف يبقى فى فمى
طعم قبلة
والذى يبقى بقلبى
و بروحى
لمسات من حنان



Monday, August 27, 2007

السائرة فى طريق الآلام


إلى المناضلة/شاهندة مقلد
حين هوى السوط بعنف
على الجسد الغض
علت فى الهواءزفرة مكتومة
وتساقطت قطرات حمراء
من الظهر العارى

إختلط الطين بالدم
ليتكثف الحقد
ممزوجا بالقهر والغضب
وتلمع فى العبون نيران الإنتقام

حينها كنت هناك
تدافعين بصدرك الطاهر
عن آلاف الضحايا
وتربتين بيديك الحنونتين
على ظهور الأطفال
وترضعيهم حليب الثورة

أيتها الأم المقدسة
ياسيدة الآلام
لك المجد والسؤدد
لك الخلود والأبدية

على مشارف الحلم
حين تنتهى الحكاية
ويبدأ الفعل
كنت دائما هناك
كشجرة السنديان
تولد واقفة
وتعيش واققة
وتشيخ واقفة
وعندما تموت
تموت أيضا واقفة

هكذا أنت دوما
وهكذا تكونين
إمرأة من حجر الصّوان
ومن ينابيع الفردوس

تملكين قلب طفل
وبصيرة نبى

إليك دائما نرنو بشموخ
فأنت حيث أنت
حضن الحنان الدافيئ
فى ليال الزمهرير

وأنت كما أنت دوما
طيبة كالخبز
شعر:بنتاؤور

Saturday, June 16, 2007

قصة قصيرة



الرجل الذي نسى اسمه

فى الساعة السابعة والنصف صباحا إكتشف أنه نسى إسمه
إستيفظ من نومه نشيطا, يوم جديد يبدأ, تمتم بدعواته اليومية أن يكون يوم خير, أزاح عنه الغطاء وحرك ذراعيه على إمتداهما متثائبا, ما أحلى النوم فى هذه الأوقات
صنع لنفسه شايا, أثناء حلاقة ذقنه تسبب فى جرح وجهه, خيط رفيع من الدم , وضع وجهه أسفل الحنفية, شعر بقشعريرة من برودة المياه, آلمه رذاذ الكولونيا, فى اللحظة التى أبعد فيها الفوطة عن وجهه إكتشف فجأة أنه نسى إسمه
فى البداية لم يعر الأمر إهتماما كبيرا, إستمر فى طقسه اليومي , فى طريقه للخروج كاد أن يصطدم بإبنته,(صباح الخير يا بابا),قالتها بدون إكتراث, تمنى لو أنها نطقت إسمه
- صباح الخير يا سعادة البيه..حياّه بواب العمارة رافعا يده إلى أعلى, أسرع يفتح له باب السيارة,أطال معه الحديث على غير عادته, لكنه لم يذكر إسمه.
دخل الى مكتبه مسرعا, تلاحقه كلمات الموظفين, صباح الخير يا فندم, ... يا سعادة البيه, كلها ألقاب تفخيم, لا يريد أحدا أن ينطق إسمه مجردا إنتابته حالة من التوتر, يحاول بشدة أن يتذكر إسمه, بدأ بعصبية ينكش فى بريد مكتبه, يكاد يتفتق غيظا, كل المكاتبات تخاطبه بمنصبه , يبحث بين السطور عن إسمه بلا فائدة, حاول التركيز أكثر, أخذ يكرر أسماء العاملين معه, ثم أسماء أصدقائه, إنه يذكرهم جميعا, ما عدا إسمه
بدأ يتحدث بالتليفون الى بعض معارفه, حاول أن يجرهم لذكر إسمه, كأنهم جميعا متواطئون , لا أحد منهم يذكر إسمه ولو على سبيل الخطأ, سأل أحدهم :- هل تعرف من يكلمك, جاءه الردسريعا:- ولو يا سعادة البيه, وهل يخفى القمر
بدأ يشعر بالاختناق, أحس بعبثية الموقف, تحدث إلى نفسه بصوت مرتفع,هناك شيء ما خطأ, هو لايكاد يسمع صوته,أحس بثقل الكارثة, لن ينقذه من هذا الموقف السخيف سوى أن يتذكر اسمه, خطرت له فكرة, قفز من على مكتبه, هبط سلالم المبنى بسرعة, تحسس جيبه, بينما يعبر الشارع بأقصى سرعته,إرتج جسده وطار فى الهواء, تناهى إليه صوت(حاسب العربية يا أستاذ فتحى

(بنتاؤور)

Wednesday, May 23, 2007

من الشعر المقاوم

الفارس الأخير

إلى روح تيمور الملوانى

(أما آن لهذا الفارس أن يترجل)
كلمات أسماء بنت أبى بكر لإبنها
المصلوب عبد الله بن الزبير

هاهو يسقط
من فوق حصانه
مضرجا بالدماء

كانت الريح شديدة
والشمس قائظة
والغبار يتصاعد الى السماء
مغطيا وجه الكون
بالعتمة والكآبة

كانت الكلاب تنبح
والعصافير تولى هاربة
والأشجار تتشبث بالأرض
والأفق يكتسى بغلالة سوداء

وكان وجهه منيرا

أسدل الستار
ولىّ زمن البطولة
وغادر الفرسان الساحة
ونزل الممثلون من على الخشبة
وما زال فوق صهوة جواده
شاهرا سيفه
تنزف منه الدماء



المسافة قريبة
بين الموت والحياة
ولكنهما عالمين مختلفين
فالحياة حيوية
ضجة وجلبة وصراع
حزن وفرح وشقاء
لكن الموت سكون أبدى
ضياع كامل
وظلام سرمدى

موته كان محتم
وكانت نهايته وشيكة
إبن موت
هكذا قالت النبوؤة

حينما تكاثروا عليه
صوبوّا إليه سهامهم
وأحقادهم السوداء
فتسربل بالدماء



الحياة إرتدت قناع الموت
رائحة الموت إنتشرت فى المكان
والمدى صار جحيما
إكفهرّ وجه الكون
وإصفرّ لون السماء
وتحشرجت الروح فى الحلق
والزبد الأبيض سال من الفم

وجهه كان منيرا

إنفجر الدم شلالا
وسال على الأرض
إنتفض الجسد بعنف
رافضا الموت
متشبثا بالحياة
ومقاوما للفناء

حينما خارت قواه
وخذله الرفاق
وتدحرج الحصان على الأرض

حينها
حينها فقط
مالت رقبته الى الأسفل

هذه الرقبة التى أبت أن تميل
فى أى وقت

أيها الواقف على جبهة الشرف
أيها الصامد دوما رغم الموت
بوركت فى كل كتاب
وتسامت كلماتك
ترسم الطريق للأجيال
رمزا للحب
والعدل
والحرية

شعر:بنتاؤور

Saturday, May 19, 2007

الحياة فى مرمى الموت



سجانى يا سجان

لو جه أوان البدل

متروحشى منى بعيد
أمين الديب


كان كالطفل بريئا
وجريئا
كان كالنبتة غضا
والفراشات رقيقا
جسد يمتد مبسوطا الى فوق
وحاجات تعربد
والإطارالمغلق القاسى على الصدرغمامة
والرؤى غامت
ولم يبق فى الدنيا التى يحيا سلامة

كانت العين بصيرة
وأياديه قصيرة
لم يعد فيها مفرّ

المدى صار ظلاما
والنهايات كئيبة
وعيون الشوق نحو الشرق ترنو وتحملق
علّها تكشف نورا يتألق
أو ترى ما يشبه الضوء الخفيض
فى نهايات النفق
انما ترتد آلاما وأحزانا
على خط الأفق

لم يعد فيها مفرّ

كانت الدنيا بخيلة
والخيارات قليلة
والمدى يزداد ضيقا
والأمانى
مثلما الأحلام
أضغاث عقيمة
كلها الدنيا بما رحبت سقيمة
والنهايات أليمة
والغد المأمول وهما وسرابا
لم يعد فيها مفرّ

فاضرب الآن بقوّة
وبقسوة
رد بعض الروح للجسد المهان
لا تكن دوما جبان
ولتعش حتى الأبد
مثل نيران المجوس

أو تموت


شعر:بنتاؤور

Saturday, May 05, 2007

من شعر نزار


أحاول - مذْ كنتُ طفلا، قراءة أي كتابٍ

تحدّث عن أنبياء العربْ.

وعن حكماءِ العربْ...

وعن شعراءِ العربْ...

فلم أر إلا قصائدَ تلحَسُ رجلَ الخليفةِ

من أجل جَفْنةِ رزٍ... وخمسين درهمْ..

.فيا للعَجَبْ

ولم أر إلا قبائل ليست تُفرّق ما بين لحم النساء

وبين الرُطَبْ

فيا للعَجَبْ

ولم أر إلا جرائد تخلع أثوابها الداخليّهْ

لأيِ رئيسٍ من الغيب يأتي

وأيِ عقيدٍ على جُثّة الشعب يمشي

وأيِ مُرابٍ يُكدّس في راحتيه الذهبْ

فيا للعَجَبْ

من قصيدة (متى يعلنون وفاة العرب) لنزار قبانى

Thursday, April 26, 2007

اليها


فتألقى
فلك الجمال المطلق
ولك الحلاوة والطلاوة والصباح الريّق
ولك الصبا يمشى على شط الحياة المغدق
ولك الحياة جميعها
تحنو عليك فتشرقى

أنت الهوى والحب والتحنان
والشوق الفريد الشيّق

فتألقى
***
وتدللى
أنت الغرام الأول
أنت الحبيبة والعشيقة والهوى المتجمل
وأنت تاج القلب
والحب الجميل المخملى
أنت الرحيق الحلو
والخمر المعتّق
والجمال الآسر الخلاّب
فى الوجه الصبوح الأجمل
فتدللى

شعر : بنتاؤور

Monday, April 02, 2007


الرجل ذو الأنف الكبيرة

استيقظ من النوم على غير عادته مرهقا, يشعر بصداع شديد, لم يجد ما يحفزه على مغادرة السرير, اليوم جمعة, وهو قد نام متأخرا, سحب الغطاء على وجهه, شعر بثقل البطانية عليه, وباختناق أنفاسه, مد يده ليزيحها عنه, اصطدمت يده بأنفه.
عاد يتحسس أنفه, هناك شيئ متغير لم يتبينه, يشعر أن أنفه تؤلمه بالضغط عليها, أحس كأنها ملتهبة, ربما حرارتها مرتفعة قليلا, لا يدرى, قرر العودة الى النوم, سحب الغطاء على وجهه محاولا استدعاء النوم.
فجأة قام من السرير, دفع عنه الغطاء بعنف, توجه ناحية الشوفينيرة, نظر فى المرآة, هناك شيئ متغير فى أنفه, ربما أكبر قليلا, وضع يده عليها, اعتقد أنه أخطأ التقدير, وأن أنفه طبيعية, طار النوم من عينية, جميع من بالمنزل نائمون, قرر الذهاب الى المطبخ, صنع لنفسه شايا, جلس فى الصالة يسمع الأخبارمن التلفاز مشتتا, ترى ما الذى حدث لأنفه أثناء النوم.
طوال اليوم لم يهدأ له بال, كان يتحسب لكل من فى المنزل, لماذا يحملقون فى وجهه حين يرونه, حتى زوجته, تلك الانسانة الوادعة لاحظها أيضا تنظر الى وجهه, لم يوجه له أحدا أى ملاحظة, ترى هل هم خجلون منه, أم أن الأمر لا يعنيهم.
قرر عدم الخروج اليوم, عندما سألته زوجته ألا يذهب لصلاة الجمعة, أجابها اجابة مبهمه أنه ليس على ما يرام, تسلل الى غرفته, أغلق الباب ورائه, اقترب كثيرا من المرآة, ركّز النظر الى أنفه, لا يزال يبدو متورما.
أثناء ذهابه الى العمل فى الصباح, كان يتحاشى نظرات الركاب اليه, تشاغل بالنظر الى الشباك, كان الجالس الى جواره يتعمد طول الطريق النظر الى أنفه, انتهز فرصة مرور الكمسارى ليسأله ان كان هناك ما يلفت النظر فى وجهه حتى يدقق النظر اليه, كاد الأمر أن يتطور الى معركة.
ولج الى مكتبه مسرعا, دون ان يلقى تحية الصباح على زملائه, طالعته وجوههم وهم فى حركتهم أثناء العمل, تعمّد أن يتصفح وجوههم عند وقوع نظرتهم عليه, ما هى البؤرة التى يركزون نظرتهم اليها, أيقن فى قرارته أن الجميع ينظرون الى أنفه.
أثناء عودته تعمّد أن يدس وجهه فى الجريدة, متحاشيا نظرات الآخرين, مد يده بالنقود الى الكمسارى دون أن يخرج رأسه من الجريدة, قبل الوصول الى المحطة أزاح الجريدة عن وجهه استعدادا للنزول, ولكنه بحركة لا ارادية وضع يده على أنفه فى طريقه الى البيت.
دخل الى غرفته مسرعا, تعلل بأنه مرهق حتى لا يتناول الغذاء مع البنات, أخرج مرآة صغيرة من حقيبة زوجته, قربها الى أنفة, اطال النظر, لابد انها أكبر اليوم عن الأمس, قلب المرآة وأمعن النظر, بحجمها المكّبر تبدو بشعة, أحس بحركة فى الخارج, أعاد دس المرآة فى مكانها بسرعة, أطفأ النور محاولا النوم.
فى اليوم التالى استيقظ من النوم متأخرا, رأسه يؤلمه بشدة, تعذر عليه النوم معظم الليل, قرر عدم الذهاب الى العمل , نادى زوجته وأخبرها أن تتصل بهم وتطلب له عارضة, سألته ما الأخبار, أجاب باقتضاب أنه متوعك قليلا.
ظل طوال اليوم فى غرفته, يتحين الفرصة ليتطلع فى المرآة, انها ما زالت تكبر باطراد, أصبحت تشكل له صعوبة فى الأكل, تتدلى على فمه, وحتى الرؤية, تحجب عنه نصف الأشياء, لم يعد يطيق النظر الى المرآة.
طال انقطاعه عن العمل, وصلته عدة رسائل تنذره بالفصل, غير آبه بذلك, أصبح لا يخرج من غرفته الا الى الحمام, يرفض استقبال أى زائر باصرار,حتى بناته أصبح يرفضهم, رفض أكثر من مرة حضور أى طبيب, حتى الأكل لا يتناول الا القليل, بدا عليه الهزال, وتدهورت صحته.
انقلبت الحياة فى البيت, حالة من الصمت تلف الجميع, لا يعرفون ماذا حدث لأبيهم, ولا تدرى أمهم كيف تتصرف, حاولت اللجوء فى البداية الى أصدقائه المقربين, بعد أن فشلت محاولاتها اتجهت الى أهله وأقربائه, لكن ذلك زاده عنادا وزادت حالته سوءا, لم تدرى ماذا تعمل, حاولت اشراك البنات, لكن تكرر الفشل.
يحس أن المشكلة تزداد تفاقما يوما بعد يوم, يشعر أن أنفه أصبحت ثقيلة على وجهه, تعوقه أثناء الحركة, عند خروجه من باب الغرفة يحاول أن يتوسط الفراغ, وأن يخرج أنفه من الباب أولا, بعدها يخرج بقية جسمه.
بدأت الأسرة تتعود الوضع الجديد, البنات أحسسن بالتحرر من رقابة الأب, يخرجون ويعودون دون حساب أو مساءلة, الأم لا تقدر عليهن وحدها, أيضا هى أصبحت أكثر انشغالا لتحملها كل المسئولية.
لم يعد يخرج من الغرفة, أصبحت أنفه تسد الفراغ أمامه, يكاد لا يرى شيئا على الاطلاق, أحس أن الغرفة تضيق عليه, وأنه يكاد يختنق.
فى الصباح شعر أن أنفه تطبق عليه, تجثم على صدره وكامل جسمه, تملأ فراغ الغرفة, تمنع عنه الهواء, لا يستطيع الحركة أو التنفس, يشعر أن روحه تحشرج فى صدره.
(تمت)


Tuesday, March 20, 2007

أغنية فولكلورية ريفية


ِأمّاه..يا أمّاه يا أمّيه

خايفة أكون حبيت وبان عليه

***

تضربنى ليه يا واد وانا إسمى الفلّة

وتسمّع الجيران بكسر القلّة

يا رايحين البيت قولوا لحمايا

إبنك ضرب ست البنات روحية

***

لأمّا ..يا امّا.. يا أميّة

يا مقوما العسكر على الدورية

***

تضربنى ليه يا واد وانا إسمى مراتك

وتسمع الجيران بكسر عصاتك

يا رايحين الغيط قولوا لحمايا

إبنك ضرب ست البنات روحية

***

أما ..ياأما يا امية

.................

Saturday, March 17, 2007

من الشعر المقاوم


نحن فى عزّ الظهيرة
نصف قرص الشمس يبكى فى الزقاق
والدجاجات ينقنقن على وقع البساطير الكبيرة
وأبى يحشو رصاصات غبية
فى بقايا بندقية

ضاعت البروة يا ويلى على تلك الشقية
وعلى الليات يلتف الخناق


كنت طفلا آنذاك
علمونى أن مجرى الأرض فى كف السماء
علمونى أنه سبحانه يحييى ويفنى ما يشاء
علمونى أن أطيع الأنبياء
دون أن أسأل من كانوا
وماذا صنعوا للفقراء
علمونى الرقية والتعزيم والخوف من الليل واذلال النساء
علمونى ما يشاؤون ولم يستنبأونى ما أشاء


يا أبى المهزوم
يا أمى الذليلة

اننى أقذف للشيطان ما أورثتمانى
من تعاليم القبيلة
اننى أرفضها تلك التعاليم الغبية
اننى أجتثها من جذرها تلك الطقوس الهمجية
اننى أبصق أحقادى وعارى
فى وجوه الأولياء الصالحين
اننى أقذف آيات ذلّى وانكسارى
للتكايا والدراويش وأنصاف الرجال


فلتخيطى كفنا من جلد أنصاف الرجال
واذا شئت طقوسا وصليبا وهلال


طرّزيها بيديك

شعر: سميح القاسم
*البروة قرية محمود درويش, والليات قرية سميح القاسم


Wednesday, February 28, 2007

شخصيات من السجن




كتكوت
لم أهتم بمعرفة إسمه الحقيقى, أو حتى بقية الأسم, كان واضحا أنه كنى بهذا الأسم نتيجة صغر حجمه, وسرعة حركته, كنت أحس أنه لا يتحرك , بل يقفز من مكان لآخر,يهبط من الدور الرابع بسرعة القط من فوق الدرابزين.
كان دائم الإبتسام, ودودا,يدخل الى القلب بسهوله, كنا نتبادل التحية فى أوقات الفسحة, وأثناء طابور الشمس.
فى يوم إلتقيته فى الكانتين,بادئنى بالسلام, مد يده مصافحا, طلب منى أن أشترى له كوبا من الشاى, طلبت كوبين,إنتحيت به جانبا, جلسنا على الأرض, أشعلت سيجارتين, وبدأ يحكى لى ما حدث
بدأت القصة منذ شهرين تقريبا, كان يتمشى مع صديقه(سيد النص) فى محطة الرمل, بعد مشاهدة فيلم ’’كيف تسرق مليون دولار", كان سيد يكبره بعدة سنوات, كان يشعر بأنه استاذه, عقله راجح, قليل الكلام, جلسا معا على سور الكورنيش يتحدثان, بدون سابق موعد اقترب شخص ما, يحمل شنطة صغيرة مدلاة من رقبته, سارع فحيّا سيد, طلب الانتحاء به, بادره سيد بأن كتكوت ليس غريبا, عرّفنا معا, هو سلامه مصور الأفراح بصالات محطة الرمل, تردد سلامة فى الكلام, ولكنه بعد برهه من الصمت طلب من سيد أن نتمشي على الكورنيش
سرنا نحن الثلاثة متجاورين, سيد فى الوسط ونحن الى جواره, وبدأ سلامة الحديث ذاكرا أن لديه عملية جاهزة, وأخرج بعض الصور من الشنطة حول رقبته, وبدأ الشرح: هذه الصورة لمحطة الرمل والثانية لمسرح التروبيكو المطل على المحطة والذى تقام فيه حفلات الأفراح, والثالثة من داخل المسرح, والتى تليها من الشباك الخلفى للمسرح والتى تطل على منور, أما الأخيرة فهى مسقط خلفى من المنوريطل على ساحة خالية
أكمل سلامة فكرته, المنوربه الجدار الخلفى للدكاكين التى بجوار السينما, وأهمها محل المجوهرات والساعات الشهير, يمكن الاختباء بالمسرح, والهبوط على المواسير, وعمل فتحة فى الجدار من الخلف
قال سيد: حسنا يا سلامة, شكرا, دعنى أدرس الموضوع, وعلى كل حال حقك محفوظ
بدأ سيد فى وضع خطة للمراقبة, كنا نسهر يوميا فى محطة الرمل, وفى أيام متفرقة نندس مع المعازيم في الأفراح التى تقام بالمسرح, ندرس المداخل والمخارج ومتى يفتح ويغلق, والشبابيك الخلفية, وتصرفات الحارس, وجميع التفاصيل الصغيرة
أخيرا وبعد الانتهاء من الرصد والمراقبة, وضع سيد الخطة, سوف نبقى بالمسرح حتى انتهاء الأعراس, اى ما بعد منتصف الليل, ثم نندس خلف الستائر لحين خروج الجميع واقفال الأبواب, بعد ذلك نقوم بالعمل
طلب سيد وجود شخص ثالث يمكن الائتمان له, تكون له وظيفه صغيرة ومحددة, هى أن يشاغل فرّاش المسرح حين حضوره فى الصباح لحين خروجنا , تذكرت عادل, شاب جامعى فاشل تصادقنا على المقهى معا, سألنى ان كنت اثق به, فأكدت له هذه الثقة, واتفقنا على يوم التنفيذ, مساء يوم الخميس, حيث اليوم الذى يليه اجازة, ولن يتم اكتشاف السرقة الا متأخرا
سارت الأمور كما خطط لها سيد بدقة, سهرنا حتى وقت متأخر, مع قرب خلو المسرح من الجميع, اختبأنا خلف احدى الستائر, بعد ذهاب الجميع, سمعنا صوت عم اسماعيل يغلق الشبابيك والباب, ثم صوت أقدامه تهبط السلم, ثم وهو يغلق البوّابة الخارجية
بعد فترة قصيرة بدأنا نتعود على المكان, كانت أنوار محطة الرمل ونيون الاعلانات تضيئ المكان, أكلنا وشربنا ودخنا سجائر الحشيش ولعبنا الكوتتشينةحتى قبيل الفجر, ثم تهيأنا للعمل, هبطنا على المواسير بسهولة , وبعد حوالى أقل من نصف ساعة من الحفر كنا داخل المحل, كان بريق المجوهرات يضيئ المكان, استعملنا بطارية للرؤية, ثم ملأنا حقيبة كانت معنا بكل المجوهرات والساعات على الأرفف
جلسنا فى المسرح المغلق الستائر حتى الصباح, أصوات الترام وباعة الصحف والمارة والسيارات بدأت تملأ المكان, سمعنا صوت الباب الخارجى يفتح وعم اسماعيل يصعد الدرج, اختبأنا فى أحد الحمامات والمفتاح يدورفى الباب,كان قلبى يرتجف بينما سيد يفتح نصل المطواة, لم نسمع صوت عادل حسب الاتفاق ينادى على عم اسماعيل, توتر الموقف أكثر والرجل يدخل الى الحمامالآخر ثم وهو يغسل يديه ووجهه, ثم استدار ليفتح الستائر وينادى الحلبى ليعد له قطعة هريسة بالقشدة.
كنا فى أعقاب الرجل,خرجنا مسرعين نتنفس هواء الصباح المنعش على الكورنيش, كان عادل قادما من الاتجاه الآخرو عليه آثار النوم, صفعه سيد وطلب منه أن يختفى حتى حين, سألت سيد أين سنضع الشنطة الآن, اقترحت عليه أن أخفيها عند أختى فى الورديان حتى تهدأ الأمور فوافق.
عدت من الورديان الى محطة الرمل, كان لدى فضول أن أشاهد صاحب المحل عندما يكتشف السرقة, فوجئت به حوالى العاشرة يفتح المحل رغم أن اليوم جمعة, سمعت صراخه وعويلة واذدحام الناس وأنا منهم حوله, وحضور سيارات النجدة, سمعت أحدهم يقول :تصورا لقد غفل اللصوص عن الأموال السائلة بالدرج, فتحسرت .
رتب سيد شخص لشراء المجوهرات يعمل تاجر خردة, أحضرت البضاعة وصرّفها سيد بمعرفته, ووزعها بمعرفته, أعطى سلامة حصته, وأعطانى عشرة آلاف, وأيضا ألفين لعادل حتى يسكت
كان عادل هو المشكلة, بدأ يصرف ببذخ, طلب منى سيد أن آخذه خارج الأسكندرية لبعض الوقت, ذهبت به الى المنصورة لمدة اسبوع, أفهمته ان لا يحاول اظهار المال, لكنه لم يفعل, كان والده حلاقا فقيرا شريفا, شعر بالتغيّر الذى طرأ على ابنه, فأبلغ الشرطة
اعترف عادل فتم القبض عليّ وسيد وهو, وسرعان ما تم فك خيوط القضية تحت التعذيب, وزجّ بثلاثتنا فى السجن, حيث كان يعامل عادل من المساجين كأسوأ ما يكون, وكانوا يطلقون عليه اسم" التلميذ"تحقيرا

0000

بعد حوالى السنتين كنت أقف بميدان سعد زغلول فى انتظار الأتوبيس, فوجئت بكتكوت بجسده الضئيل تنشق عنه الأرض ويقف بجانبى ويقول: والنبى وحياتك يادكتور تخبينى الا البوليس ورايا

(تمت)

Sunday, February 18, 2007

الآخر


نما لديه شعور بالرغبة فى الإبتعاد, لا يدرى متى بدأ ذلك, ولكنه يريد الهروب, هناك من يطارده طوال الوقت, يريد أن ينتقم منه, يجهل السبب, لكن ذلك الآخريتعمد إيذائه.
هذا اللعين يحاول السيطرة عليه, يقفز على لسانه محاولا إخراج كلمات لا يريدها, يحاول ألاينطق بما يريده ولكنه يفشل, يحس أنه يصارع ذلك الآخر طوال الوقت, يشعر فى النهاية بالإنهاك وعدم القدرة على المواجهه, يشعر بالرغبة فى الإنسحاب والهروب بعيدا, ربما المغادرة الى بلد آخر جديد, لايعرفه فيه أحد.
حتى الجميع أصبحوا ضده, يتآمرون مع الآخر قصد الإيقاع به, تظهر على وجوههم علامات السخرية منه, وعدم تصديقه, يتعمدون غالبا إيذائه,وأحيانا يظهرون الشفقة عليه وكأنما هو مريض, كلما دخل عليهم يقطعون الحديث فجأة, ينظرون فى وجوه بعضهم ويبتسمون, هؤلاء الملاعين يتآمرون عليه.
إرتبك تفكيره, اصبح يهرب منهم, يريد أن يختبئ بعيدا, لايريد أن يكلم أحدا, جهات عديدة تتسلط عليه, يجب أن يكون حريصا, ربما إستطاعوا أن يعرفوا سرَقوته,أو يتلصصون على أفكاره, يسرقونها وينسبوها لأنفسهم.
ما زال هذا الآخر يجلس فوق أذنيه, يهمس دائما له, يعطيه الأوامر, كأنما هو شيطان يتلبسه, كم ود لو يجرى مبتعدا فلا يلحق به, لكن يبدو ألا فائدة.
راودته فكرة القتل, ماذا لو غافله وأجهز عليه, ولكنه لا يشاهده الاَ نادرا, كطيف يلمع ثم يختفى, لكنه دائما يسير خلفه, يستطيع تحديد مكانه بدقة, قد يجد فرصة مناسبه للإيقاع به.
فكر فى قتله بسكين, يحتفظ به بين طيات ثيابه, ينتظر اللحظة المناسبة ويهوى به عليه, لكنه تردد, ماذا لو لم يمت من أول طعنة وكيف سيكون رد فعله, ربما يكون هو الأقوى فيقتله.
خطر له أن يغافله ويلقى به من فوق اسوار القلعة, أو من الدور الأخيرمن العمارة, لكنه خشى من ردّة فعل الناس, ماذا لولحقوه و فتكوا به.
هاهو الحل أخير, قررمباغتته من أعلى الكوبرى , سيلقى به فجأة فى مياه النيل, انه حل مثالى, لن يشعر به أحد, وسيستطيع الهروب ببساطه.
أحس بالشعور بالانتعاش, سوف يتخلص منه, ويمكنه أن يعود الى حياته الهادئة التى كانت, أحس بخطواته تتسع, وأن أنفاسه أكثر انتظاما وهو يسير مسرعا على الكوبرى.
هاهو الكوبرى ينتصف أو يكاد, أسند جسده الى السياج, نصفه الأعلى يتدلى الى أسفل, مازال صوته يهمس فى أذنه , بحركة سريعة التف بجسدة, يداه تمسك بذلك الشئ بشدّة , وهو يهوى به الى النهر, إرتطم بالماء بشدة, وهوى سريعا إلى القاع.

Thursday, January 04, 2007

رباعيات

أطفئ لَظى القلبِ بشَهْدِ الرِضاب
فإنما الأيام مِثل السَحاب
وعَيْشُنا طَيفُ خيالٍ فَنَلْ
حَظَكَ منه قبل فَوتِ الشباب
عمر الخيام
خرج ابن آدم من العدم قلت : ياه
رجع ابن آدم للعدم قلت : ياه
تراب بيحيا ... وحي بيصير تراب
الأصل هو الموت و الا الحياه ؟
عجبي
صلاح جاهين
اللى يداديك داديه
وإجعل عيالك عبيده
واللى يعاديك عاديه
روحك مهيَاش بإيده
إبن عروس

Tuesday, January 02, 2007

إعدام صدَام

على الرغم انك كما كنت ظالم
وإنك حكمت البلاد بالمظالم
وروًعت شعبك بشلَة ديابة
وحوش مفترَية وعايشة فى غابة
وسمت العباد الهوان والمذلَة
وبلدك لحضن العدا والمهالك

على الرغم كونك عديم المشاعر
وكونك أسلت الدما فى الشوارع
نشرت الخراب والدمار والمجازر
وسقت العراق للعذاب والقطيعة
وآلام مخيفة ,عنيفة وفظيعة
ورعب ومآسى فى كل المسالك

ولكن نهايتك على إيدين جبانة
فى عيد الضحية ورمز الأمانة
فى يوم السلام والوئام والمحبة
دا أكبر دليل عندنا ع الخيانة
تخليك فى عين الملايين بطل
وتجعل قلوبنا تدوب م المهانه

ولكن حقيقتك مهياش كذلك!!!!

Thursday, December 21, 2006

من الفلكلور الشعبى القديم

أنا رحت برً البحيرة عشان أستريًح يوم
لقيت الغلب سابقنى بسبعين يوم
أنا قلت يا غلب مش تيجى يوم وترحل يوم
قاللى وازاى أجى يوم وأرحل يوم
وإنت مكتوب عليك الغلب من أول لآخر يوم
فلاح مصرى


Thursday, November 23, 2006

رسالة الى أمى

الى التى ماتت واقفة

أمى
وتدفعنى تباريح الأسى والحزن أن أكتب
الى أمى
ألوذ بها وأعتصم
وأدعوها
لتمسح دمعتى الحرّى
وتربت باليد المكلولة السمرا..............
................................................
مقدمة قصيدة كتبتها منذ زمن طويل, كان هذا فى حياتها, اما وقد غابت عن الحياة , فان الحاجة اليها أكثر الحاحا, تلك الصخرة العنيدة التى تحدت كل الصعاب, هذه السنديانة الباسقة التى ظللت على الجميع, تلك الشامخة فى غير كبرياء التى ماتت كالأشجار واقفة, كانت كالندى تضفى شعورا بالرضى على قسوة الحياة, تدافع عن صغارها كنمرة, أذكر عندما لدغتى عقرب أثناء جلوسى على السطح, قفزت هالعة لصرختى, وبيديها العاريتين انقضت عليها تقتلها وهى تقول : يا بت الكلب
***
رحم الله أمى

Monday, November 06, 2006

تانى


النسر قال للعقاب شيل بينا ياللا يا طير
قبل المذلة وقبل حكم الهفايا لا غير
دا إبن القويق جا حكم واتمدت أيامه
بلد إن حكمها القويق ما عدش فيها خير

Sunday, November 05, 2006

من الشعر المقاوم



يا آلَ إسرائيلَ .. لا يأخذْكُمُ الغرور
ْعقاربُ الساعات إنْ توقّفتْ
لا بُدَّ أن تدورْ
إنَّ اغتصابَ الأرض لا يخيفُنا
فالريشُ قد يسقُطُ عن أجنحة النسورْ
والعَطَشُ الطويلُ لا يخيفُنا
فالماءُ يبقى دائماً في باطن الصخورْ
هزمتُمُ الجيوشَ .. إلاّ أنَّكمْ
لم تهزموا الشعورْ ..
قطعتُمُ الأشجارَ من رؤوسها
وظلَّتِ الجذورْ
نزار قبانى ...

Monday, October 30, 2006

البدلة الحمراء


عجيب أمر هذه الحياة, نحبها حتى العشق, ونتمسك بها بكل ما نملك, لكن لا نشعر بقيمتها الحقيقية الا فى اوقات الأزمات, حين نكون مهددين بفقدانها, فى اوقات المرض الشديد, وفى المحن الكبيرة, أوعندما يتقدم بنا العمر.
لم يكن فى حسبانه أن يحدث ما حدث على هذا النحو,فالبدايات لا تنبأ دائما بالنهايات, يستعرض مجمل حياته, حياة شبه طبيعية, لم تكن نعيما, لكنها لم تكن جحيما الاّ الآن.
هذه هى التجربة الأولى ويقينا الأخيرة, فقد انتهى كل شيئ ولابد أن يواجه الحقيقة, منذ أن لبس البدلة الحمراء فى حجز المحكمة بعد النطق بالحكم , وتحويل أوراقه الى المفتى, أحس بهذه البدلة شوكا يدمى جلده , ونارا تحرق جسمه.
منذ عودته من المحكمة تغير كل شيئ, تم عزله عن الجميع, ووضع الحديد فى قدميه, زنزانتة مختلفة, مضاءة ليلا ونهارا, على الباب شراعة كبيرة مفتوحة بها قضبان, وبالخارج يقف حارس يتم تغييره باستمرار.
تم تفتيش الزنزانة وإفراغ جميع محتوياتها , فقط بطانيتين سوداويتين أحدهما ينام عليها, والأخرى لغطائه, وأدوات طعام بلاستيكية, جدران الزنزانة مبطنة بالإسفنج, وحتى ادوات الحلاقة أخذوها, والبرش الليفى الخشن سحبوه, حتى لا يستعمل حباله لشنق نفسه, كخروف الأضحية يربونه للذبح, تمتم فى سرّه:أغبياء, لا يعلمون أننى أعشق الحياة ولوبقيت فى السجن إلى الأبد.
فى كل صباح, يأخذونه إلى باحة السجن للفسحة, إثنين من العساكر وضابط, يسيرون به فى ساحة السجن يوميا فى دورة كاملة,مارين بغرفة الإعدام, حتى يتعود على هذه الخطوات فى إنتظار اليوم الموعود.
هل يمكن أن تنتهى حياته بهذه السرعة, لم يحسب لذلك يوما, يفكر فى جدوى هذه الحياة, وما الحكمة فى مجيئه اليها أصلا, وما سبب هذا الوجود, أحيانا ما يشعر أنها مسرحية كبيرة يشارك فيها كل الكائنات على الأرض, الكل يمثل على بعضه, وهو يعيش كالحالم لا يملك من أمره شيئا.
أحس بدنو أجله, غمرته نوبه من الروحانيه, حاول إيهام نفسه أوالآخرين بذلك, يضع المصحف بين يديه معظم الوقت, عيناه زاغئتان بين الصفحات, رأسه مشحون بإنفعالات شتى, يشتاق لرؤيتها, ماذا لوتنازلت وقامت بزيارته لمرة أخيرة قبل أن يقتلونه.
ممنوع عليه الاتصال بالآخرين من السجناء أو تبادل الحديث معهم, حتى موعد زيارته اليومية لدورة المياة لا تتم الأ بعد أن تغلق الأبواب على الجميع, لا يحق له سماع الأخبار أوقراءة الصحف ولا الزيارات أو أىشيئ من هذا الترف, فقط هو الحارس الذى يتجاذب معه الحديث خلسة أحيانا.
تعاوده الكوابيس طوال نومه, يصحو مذعورا وحبل المشنقة يلتف حول رقبته فى عنف, تتراءى له الأشباح فى نومه ويقظته, لا يعرف الى اين يهرب من كل اللذين يطاردونه, حاول مرّة أن يتمرد بالدق بكلتا يدية على باب الزنزانة الحديدى, وكان الرد عليه بسرعة وخشونه شديدة, فلم يكرر المحاولة.
فرجة الأمل الوحيدة حين تحدد موعد جلسة محكمة النقض, أحس بالفرحة تغمره, هاهو أمل جديد فى البراءة أو تخفيف الحكم يفتح, أيضا سيخرج الى النور, ويستنشق هواءا طبيعيا, ويرى الناس و بعض الأهل, والأهم من ذلك أنه سيراها.
عاد كسيفا مكتئبا, يشعر بالارهاق النفسى والجسدى الحاد, تمنى لو أنه لم يخرج, صدق على الحكم قاض كئيب المنظر, عاتبه أقرباؤه بخشونه, وحين نزلت هى من سيارة السجن الأخرى فى ملابسها البيضاء, لم تعطه أدنى اهتمام, وفى قفص المحكمة الحديدى أعطته ظهرها وتطلعت الى الجهه الأخرى.
يحس أنه يختنق, لم تعد رئتيه تمتلآن بالهواء,يحس بنيران تمزق أحشائه, فقد الرغبة فى الأكل, تبدأ رحلة عذابه اليومى مع خيوط الفجر فى انتظار الساعة السادسة, يفتحون عليه فى خشونة, ويحملونه الى رحلته اليومية, يخفق قلبه بشدّة عندما يقتربون به الى غرفة الاعدام, يتنس الصعداء حين يبتعدون, يشعر انه كسب يوم جديد كامل.
فى تلك الليلة وقبل أن يستكمل السجّا
ن التمام على المساجين, لاحظ أحدهم من الزنزانة المقابلة يبعث اليه باشارات واضحة,غدا فى الصباح الباكر سوف يقومون باعدامك.
لم ينم, حاول الا يصدق, لكنها الحقيقة, هكذا وصل الى النهاية, صور جميع من عرفهم تتزاحم أمامه, الأموات يلتفون حوله فى فوضى, صورتها لا تفارقه, نوبات من البكاء الشديد تعاوده, ,قبل آذان الفجر شعر بصفاء روحى مفاجئ, أحس برغبة شديدة أن يصافح الجميع ويأخذهم فى أحضانه.
أفاق على جلبة وأقدام عنيفة على السلم الحديدى, كانوا هم, ومعهم آخرين, تحدثوا اليه بهدوء مصطنع, فقد القدرة على السماع أو الفهم, تقدم منه رجل يرتدى بالطو أبيض, وضع سماعة طبية على صدره, غريب ذلك الاجراء, ما معنى الاطمئنان على صحته فى هذا الوقت, لم يهتم ,كشبح يتحرك دخل آخر يرتدى عمامة, حاول أن يلقنه بعض الكلمات, غمغم وراؤه دون اهتمام, على الدرجات الأولى من السلم الحديدى ممسكين به حاول التماسك, رفع رأسه الى المساجين المكومين خلف شراعات الأبواب المغلقة,بصوت متحشرج قال: سامحونى, لم تستطع قدميه حمله, انهار على الأرض رفعوه من ذراعيه , كان بنطلونه مبللا, خارجا من باب العنبر, الضوء ساطع, لفحته نسمة هواء قوية, , باب غرفة الاعدام مفتوح ,بينما
الراية السوداء ترتفع على جدران السجن.

(تمت)

Thursday, October 26, 2006

عيون الكلام


ِلاتثقل يومك بهموم غدك
فقد لا تأتى هموم غدك
فتخسر سرور يومك

***
إذا سقطت قطرات الماء بإصرار

على كتلة صلبة من الصخر
ِحطمتها

***
قد تقابلك فى طريقك أحجار كثيرة
ولكنك يمكن أن تصنع منها سلما
يوصلك إلى غاياتك

Tuesday, October 17, 2006

من أشعار المعلقات


ِويوم دخلت الخدر خدرعنيزة
فقالت لك الويلات انك مرجلى
تقول وقد مال الغبيط بنا معا
عقرت بعيرى ياأمرأ القيس فانزل
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها
لدى الستر الا لبسة المتفضل
فقالت يمين الله مالك حيلة
وما أن أرى عنك الغواية تنجلى
تضيئ الظلام بالعشى كأنها
منارة ممسى راهب متبتل
أمرئ القيس