Monday, February 11, 2008

سلطة بلدى....والمعادلة الصعبة


لم تكن الضجة المثارة عن الفيلم التسجيلي الطويل"سلطة بلدى" للمخرجة الواعدة نادية كامل إلا تعبيرا حقيقيا عن الإشكالية القائمة فى المجتمع حول التطبيع مع إسرائيل, نتيجة لتصاعد الدور العدوانى الإسرائيلى فى المنطقة
وقد سنحت لى فرصة مشاهدة هذا الشريط بدعوة من أحد الأصدقاء فى صالة العرض بكنيسة الجزويت بالأسكندرية يوم الثلاثاء 29يناير بحضور مخرجة الفيلم لأكتشف أن موضوع التطبيع مبالغ فيه كثيرا حيث أن الفيلم عبارة عن رؤية ذاتية لمخرجة مجتهدة تتناول فيه تاريخ إختلاط إثنى ودينى وعرقى لأسرتها المتعددة الجذور
الأم مارى روزنتال أو نائلة كامل مولودة لأب يهودي مصري وأم مسيحية إيطالية.
الأب سعد كامل مسلم مصري شيوعي.
إبن الأخت نبيل"الحفيد" مولود لأب فلسطيني وذو جذور مختلطة, مصرية-إيطالية-روسية-لبنانية-قوقازية-تركية-أسبانية.
أي يمكن اعتبار هذه التركيبة "سلطة بلدي" من طماطم وخيار وبقدونس وجرجير وأشياء أخرى.
يبدأ الفيلم بكادر لصلاة العيد فى ميدان عام حيث تصاحب الخالة إبن أختها نبيل ليتعرف على بيئته, حيث يسمع فى الخلفية صوت الخطيب زاعقا فى ميكروفون المسجد بالدعوات على اليهود والكفار, لتبدأ التيمه الأساسية للفيلم عن سؤال الهوية للطفل الصغير نبيل وتتولى الجدة التوضيح له لتزداد الأمور أمامه تعقيدا, بينما تحاول الجدة بذهنها المشوش, وعربيتها المكسّرة الاستعانة ببعض الصور والوثائق, التى تزيد الأمور ضبابية لعقل طفل فى العاشرة, ليصعب أمامه فك طلاسم شهادة ميلاد جدته المكتوب بها فى خانة الديانة إسرائيلية (أى من بني سيدنا إسرائيل"يعقوب" عليه السلام
عند هذه النقطة تتدخل الخالة "المخرجة" بنفسها محاولة أن تساعد نبيل فى البحث عن أصوله, وراغبة فى حل مشكلة فقدانه للهوية, لعدم وجود دولة للفلسطينيين, وتبدأ المشوار بذهابهم إلى إيطاليا حيث أخوال الجدة يعيشون, وهناك يتحدث خال الجدة كيف أن نظام عبد الناصر أرغمهم على مغادرة مصر التى ولدوا فيها, واكتسبوا جنسيتها, وعاشوا فيها معظم حياتهم, حيث لم يعترف بهم وطنهم الأصلي عند عودتهم, وكيف أنهم عانوا كثيرا كى يكسبوا هويتهم الجديدة القديمة, حيث تبّدى للأسرة صعوبة وضع الحفيد
برحلتها الإيطالية تتفتح شهية الجدة للمغامرة, ورغبة البحث عن الجذور, ليستيقظ داخلها جذرها اليهودي النائم منذ أكثر من خمسين عاما, حيث رحل الى إسرائيل بعض أفراد الأسرة من اليهود المصريين إماّ عن رغبة فى دعم الدولة الصهيونية, أو هربا من اضطهاد النظام الناصري (مما يجدر ذكره أن السلطات المصرية كانت قد ألقت القبض على جميع اليهود المصريين أثناء العدوان الثلاثي فى ودفعتهم بعد ذلك الى الخروج الجماعي وذهاب أغلبهم إلى إسرائيل
تبدأ الجدة فى طرح رغبتها فى التواصل مع أقاربها فى إسرائيل, وتتلقف المخرجة هذه الفكرة, لتطرح إمكانية تحويلها الى واقع ملموس, ويبدأ حوار طويل حول الفكرة, ومن تردد الأب سعد كامل الشيوعى القديم, وصدمة الجانب المحافظ من الأسرة الذى يفاجأ بالجذور اليهودية للجدة, ورغبة هذه الجدة فى عدم التنكر لماضيها الشيوعى, هذا الماضى الذى لم يكن يوما حائلا أمام هذا التواصل, فتاريخ الحركة الشيوعية المصرية يرتبط تاريخيا بنضالات اليهود المصريين لتأسيس وقيادة الحركة الشيوعية فى النصف الأول وبدايات النصف الثانى من القرن العشرين منذ قيام جاكو دى كومب بتكوين رابطة أنصار السلام عام حيث توالى الشيوعيون المصريون تأسيس المجموعات الشيوعية والعمل على دمج المصريين فيها مثل
هنرى كوريل وتأسيس الحركة المصرية للتحرر الوطنى
هليل شوارتز وتأسيس منظمة أيسكرا
مارسيل اسرائيل وتأسيس منظمة تحرير الشعب
وقد شارك فى النضال الشيوعى ونظر له المئات من اليهود المصريين برزت منهم أسماء عديدة منها صادق سعد ويوسف درويش وريمون دويك وأوديت حزانى وشحاتة هارون وكثيرون, وكونوا اللجنة اليهودية المعادية للصهيونية, بل أنهم بعد طردهم من مصر إستمروا فى دعمهم للحركة الشيوعية المصرية من خلال مجموعة روما, كما أنه من المعروف قيام هنرى كوريل من منفاه فى باريس بإبلاغ عبد الناصر بموعد الضربة الجوية فى يونيو1967, ولذا فإنه لا مجال للمزايدة عليهم.
على كل حال تتم الرحلة الى إسرائيل فى قمة أحداث الفيلم, وبعد مشاهد الإستقبال الحارة, واللقاء العاطفى الحميمى بين الجدة وإبنة الخالة سيرينا تبدأ ذكريات ومشاعر إنسانية فى التدفق حول ذكرياتهم فى مصر, وعرض الشريط مشاهد من التعايش والتسامح الذى عاشوه قبل حروب العرب مع إسرائيل, وذكرياتهم عن الخروج الحزين والخشن من مصر, والوصول المهين الى إسرائيل.
وينتهى الفيلم برحلة العودة, والمرور براماللة , عبر نقاط التفتيش والحواجز الإسرائيلية, ومنع المخرجة من التصوير, وعرض مشاهد الجدار العازل, وفى راملله لا يسمح لهم بالذهاب الى غزة, وتتحدث الجدة عن عدم إمكانية حل النزاع العربى الإسرائيلى فى هذا الجيل.
لقد ساهمت نادية كامل فى إلقاء حجر فى بركة من الماء الراكد, لتحرك الكثير من المشاعر المختزنة والعقد التاريخية, والصراع الممتد عبر أجيال متعاقبة, بالرغم من أن الشريط يرصد حركة الناس العاديين على الجانبيين, ونظرتهم المتسامحة للحياة وللآخر, لذا فإن الفيلم ظلم كثيرا من نقاّد قد لا يكونوا شاهدوه أصلا, وذلك من خلال نظرة أحادية الجانب, وكأن المخرجة تهدف فقط الى التطبيع مع إسرائيل, ليس هذا فقط بل وصل الأمر الى وقف عضوية المخرجة بنقابة الممثلين وإحالتها للتحقيق.
فى إعتقادى أنه من السهل إتخاذ موقف المقاطعة بدلا من المواجهة, وهذه المقاطعة قد تبدأ بإسرائيل ولا تنتهى بالغرب كله, بل تشمل حتى فلسطينيي 48 بصفتهم يحملون الجنسية الإسرائيلية, كما ذكرت الفلسطينيتين اللاتى تحدثن فى الفيلم, غافلين أن المناداة بحق العودة يشمل عودة فلسطينيي الشتات الى دولة إسرائيل وحمل جنسيتها.

1 comment:

mahmoud said...
This comment has been removed by a blog administrator.