Sunday, June 29, 2008

الموتى يعلمون الأحياء




كان يومها الأول فى الدراسة الأكاديمية بالكلية, ترددت قليلا قبل أن تدخل القاعة الكبيرة التى كتب أعلى بابها بالعربية وحروف أخرى لم تتبينها"المشرحة التعليمية", صدمتها رائحة حادة نفاّذة بالداخل, جعلت عيناها تدمعان, لا تذكر أنها إشتمت مثل هذه الرائحة من قبل, البياض يغلب على المكان, الحوائط بيضاء, معاطف الطلبة, الأغطية, الطاولات الرخامية.
القاعة ممتلئة, الضجة شديدة, عشرات الرؤوس تتزاحم حول الطاولات الموزعة بالقاعة, حاولت تبين وجه أى من زملاء الدفعة, شعرت بالدوار من الرائحة والضجة, قررت الإنسحاب من القاعة, كادت تصطدم به على الباب, بوسامته التقليدية, ومعطفه الأبيض على كتفه, حيته فإستوقفها, إنتحى بها جانبا وبدأ يتكلم بصوت خفيض لا تكاد تسمعه, كانت ذهنها مشتتا, لم تستطع متابعته, إلتقطت كلمات عن بريخت والمسرح الجامعى والمسابقة, إعتذرت منه بصداع مفاجيء, وسارت مسرعة الى البيت.
فى اليوم التالى إستيقظت معتلة المزاج, تناولت كوبا من القهوة, وإرتدت ملابسها على عجل, فى الطريق الى الجامعة لفحتها نسائم خريفية رقيقة, أعادت لها بعض الإنتعاش, أصرّت أن تكون أقوى من الأمس, قررت بين نفسها عدم حضور المحاضرات النظرية, دلفت مسرعة الى باب المشرحة, كان الزحام أقل من الأمس, لكن نفس الرائحة تستفز خياشيمها, قاومت تلك الرائحة, تعمدت عدم التطلع حولها كثيرا, لمحته مع زميل آخر وطالبتين حول إحدى الطاولات الرخامية, إنضمت اليهم فى صمت, وفتحت كتابها فى هدوء.
بدأ أحدهم القراءة, بينما الآخر يحرك المشرط على الجثة ببطأ, شردت وهى تنظر الى الرأس بعمق, العينان الغائرتين,لون الجلد المائل الى السمرة, الشعر المجدول بعناية خلف الرأس, والأسنان التى تبدو خلف الشفتين المفتوحتين, أليست تشبه المرحومة, بالرغم من جفاف الجلد, والعينين, وعظام الوجنتين والفك البارز, سبحان الله, نعم إنها صورة مطابقة لها, كل هذا الشبه.
شعرت بجفاف فى حلقها, إنتابتها غصّة, أحست بوخزات حادة عندما إقترب المشرط من الجلد, لم تشعر الاّ بعينيها تدوران فى حدقتيهما, وروحها تنسحب منها, أمسكت بيديها بشدة فى الطاولة الرخامية الا تسقط , رويدا بدأت تستعيد توازنها.
تفقدت بعينيها المكان, دارت بهما على الإضاءة القوية بالسقف, تحركتا الى الحوائط, ثبتت عينيها على لوحة رخامية كبيرة بألوان صفراء باهتة محفورعليها بضع كلمات بالعربية واللاتينية" الموتى يعلمون الأحياء".
شردت بذهنها بعيدا, إلى أيام طفولتها الأولى, عندما كانت تفرد ذراعيها لتحتضنها فتنغرس فى كتلة هائلة من الشحم الناعم الملمس, وتفتح صندوقها السحرى ببضع قطع من "سكر البنات", تحكى لها حكايات الشاطر حسن وشمس البدور, ملقية بها فى بحر الخيال السحرى الجميل, وفجأة ها هى صورة مطابقة لها على الطاولة الرخامية الملساء.
فى الطريق راجعة لم تستطع أن تنزع عنها هذه الصورة, لقد شغلت ملامحها بؤرة التفكير, كادت سيارة مسرعة أن تدهمها لولا لطف الله, طرقت الباب خفيفا, متوقعة أن تكون من تفتح, خاب ظنها, ما إن دخلت غرفتها حتى إستلقت بملابسها على السرير, وإنتابتها نوبة عميقة من البكاء.
لم تجرؤ أن تمسك المشرط بين أصابعها وتغمده فى الجلد اليابس, كانت تعمد الى إدارة وجهها بعيدا أثناء الشرح, لم تلتقط أذناها مما يقال الاّ القليل, كانت تخفى وجهها فى وجهه, لأول مرة ترى عينيه, كم هما صافيتين, عادت لتدس عينيها فى الكتاب, أحست كم هى مشوشة.
رأتها فى الحلم, فرحة متهللة, ضمتها الى صدرها فى طيبة وحنو, كعادتها فردت خدها لتتلقى منها قبلة, سكبت قبلتها رطبة, تلقتها بإرتياح وشوق, يدها الملساء البضة تربت عليها, قبل أن يفترقا همست لها: لا تترددى فالكل فى إنتظارك.
عاد إليها الهدوء, أقبلت على دروس التشريح بحماس, أحست كأنما تساعدها, كم كانت فى حاجة الى هذا الدعم المعنوى, حتى عصام بدا أكثر ألقا, أصبحت تحب ثرثرته, لم تعد تضايقها رائحته, عادت الى المكوث بجواره كثيرا, يقضيان أغلب الوقت فى الكافيتريا, أو فى مدخل المدرج الكبيرحيث كان ينصب مجلة الحائط الخاصة به.
بينما يسيران على الكورنيش, تسللت يده لتمسك يدها, بخجل أعطته أطراف أصابعها, أحست ببرودة أصابعه, رويدا إحتوت قبضته الكبيرة يدها, غمر يدها دفء, بينما لم تنقطع ثرثرته, عالم المسرح يتملكه, مجنون به هو, عندما يبدأ الحديث عن المسرح فإنه لا يستطيع أن يتوقف.
تعودت أن تراها فى اليوم مرتين, صباحا فى المشرحة, وليلا أثناء نومها, تعايشت مع الحدثين, أصبحت تنتظرها فى الموعد, لم تكن تستطيع تحديد سبب إنتعاشها كل صباح, هل لإنها ستراها؟, أم لأنها ستراه, تعودت عليهما معا.
بينما تخطو مسرعة فى الطريق الى الكلية, ما زال الصباح نديا , بعض الهواء البارد يلفح بشرتها, فجأة إستوقفتها يد مرتعشة تمتد إليها, نظرت إليها, لم تصدق, أغمضت عينيها وفتحتها عدة مرات, هزّت رأسها غير مصدقة .
تعمّدت التوقف , ببطأ تحركت يدها لتفتح الحقيبة, أخرجت جنيها, عينها عليها لم تسقطها, ياإلهى, , إنها هى, جدتها مرّة ثالثة, ما هذا الذى يحدث, إنها هى, وجهها, عينيها , شعرها, كل شيء , كيف تفسر ذلك, لا بد أن بها مس من جنون.
تغير مزاجها, إرتبكت خطواتها, دخلت من الباب, تمنت ألاّ تجد الجثة مكانها, تطلعت من بعيد إلى الطاولة الرخامية فى الركن, ها هى ممددة فى مكانها, أسرعت بالخروج.
فى الشارع أخذت نفسا عميقا, صاعدة فى الطريق فى إتجاه الشمال, نسائم الصباح تلفح وجهها, رائحة البحر المشبعة باليود تنعش خياشيمها, سارت على الكورنيش قليلا, أصوات النوارس تملأ المكان, على طاولة رخامية جلست, يمتد بصرها إلى الزرقة اللا متناهية.

3 comments:

aliaawwe said...

i like this blog soooooooooo much :)

bassma said...

عجبتني الحدوته :) تحياتي

mahmoud said...
This comment has been removed by a blog administrator.