Friday, January 15, 2010

هل وصل الأمر الى "أيام" طه حسين؟


منذ أكثر من ثمانين عاما وبالتحديد فى عام 1929 نشر العميد رائعته "الأيام" وذلك فى أعقاب الضجة التى أثارها كتاب " فى الشعر الجاهلي" مؤثرا الابتعاد عن الموضوعات الحسّاسة فى الدين والهروب الى ماضيه الشخصي، فى أجمل كتب السير الذاتية على الإطلاق، والتي تم تدريسها فى المدارس والجامعات المصرية لأكثر من نصف قرن، بل قررت بعض الدول العربية تدريس الكتاب.

يستهل العميد رائعته بعبارات (لا يذكر لهذا اليوم أسما، ولا يستطيع أن يضعه حيث وضعه الله من الشهر والسنة، بل لا يستطيع أن يذكر من هذا اليوم وقتا بعينه، وإنما يقرب ذلك تقريبا. وأكبر ظنه أن هذا الوقت كان يقع من ذلك الوقت في فجره أو عشائه، يرجح ذلك لأنه يذكر أن وجهه تلقى في ذلك الوقت هواء فيه شيء من البرد الخفيف الذي لم تذهب به حرارة الشمس، ويرجح ذلك لأنه على جهله حقيقة النور والظلمة، يكاد يذكر أنه تلقى حين خرج من البيت نورا هاديا خفيفا لطيفا كأن الظلمة تغشى بعض حواشيه ).

هل يوجد ابلغ من هذا التصوير الفني المبهر لإحساس صبى فاقد البصر بالأشياء، من هذه الصورة؟، لا أعتقد ذلك، بل ان عشرات الأدباء والمفكرين قد كتبوا سيرا ذاتية ولكن ليس بقوة وتأثير صاحبنا، منهم الكاتب الكبير عباس العقاد، فى ترجمته "أنا"، ولكن التى بقيت بيننا خالدة لتفردها هى أيام طه حسين.

ولكن أن يصل بنا التقهقر الثقافى أن يكوّن الوزير الراحل " يسرى الجمل" لجنة من المستشارين بوزارة التربية والتعليم لبحث رفع كتاب الأيام من التدريس لطلاب الثانوية العامة فى مصر بدعوى أن أفكاره تسيء لصورة الأزهر ورموزه، وقال حسن بخيت مستشار اللغة العربية بالوزارة إن القصة تحتوى على بعض الأقوال والسلوكيات التى تسيئ إلى الأزهر ورجاله، بالإضافة إلى أن الإعداد التربوى للقصة لم يكن على المستوى المطلوب، وإن الأمر لا يتجاوز توصية خبراء ومستشارين في الوزارة بوقف تدريس هذه الرواية التي هي سيرة ذاتية لطه حسين بدعوى أنها «تسيء إلى الأزهر وشيوخه». وأضاف في تصريح الى «الحياة»: «هذا الأمر هو من أمور كثيرة سينظر فيها وزير التربية والتعليم أحمد زكي بدر الذي تسلم منصبه أخيراً خلفاً للوزير يسري الجمل الذي لم يقرر أمراً بخصوص التوصية بوقف تدريس «الأيام».

ثم يأتى الوزير الحالى " أحمد زكى بدر" على الهواء فى برنامج البيت بيتك ليقول أنه ليس لديه ما يمنع من إستمرار تدريس الرواية دون حسم واضح للموضوع، من جانبه رفض د.سيد البحراوى رئيس قسم اللغة العربية بآداب القاهرة استبدال أيام طه حسين بأخرى، مؤكدا أنه يندر أن يوجد نص أدبى يؤدى أدبيا ولغويا ونقديا وتربويا ما تؤديه أيام طه حسين. «هذا نص من أصدق ما كتب طه حسين فى سيرته الذاتية، ويتحدث فيه عن مرحلة الطفولة والمراهقة بلغة لطيفة وبسيطة وواضحة تناسب المرحلة العمرية للطلاب الذين يدرسونه، ونص يعبر عن مرحلة مهمة فى حياة وتطور الرواية العربية يقع بين الرواية والسيرة الذاتية»،.

ما هذا الإنهيار الذى وصلنا اليه؟ حتى "الأيام" يريدون أن يحظروها بدعوى أنها تسيئ للأزهر والأزهريين، وكأن ما جاء فى الكتاب من نقد لبعض أوضاع الأزهر منذ ثمانين عاما جريمة لا يمحوها الا الإجهاز على ما تبقى من أدب رفيع لصاحب الأيام وكل ما يمت للتنوير بصلة، ولا ندرى إن كانت هذه المحاولة تأتى بإيعاز من الأزهر أم أن التخلف إستشرى ليصل الى عمق عقول القائمين على تلك الوزارة المنوط بها تربية وتعليم عقول النشأ فى بلادنا، وتلك ثالثة الأسافى.

ليس المجال هو الدفاع عن الكتاب، فكما ذكرت أنه من السير الذاتية لواحد من القامات الشامخة فى حياتنا، لم يتعمد فيها التعرض للأزهر ولكن جاء ذلك عرضا فى جمل قصيرة عن جمود عقول بعض الأزهريين، الأمر الذى دفع به الى ترك الدراسة الدينية فى الأزهر والإلتحاق بالدراسة المدنية فى جامعة القاهرة، وليس كما يشيع البعض أنه تم فصله من الأزهر ولكن الحقيقة أن مشايخ الأزهر إضطهدوه وأسقطوه عمدا فى إمتحان شهادة العالمية مما إضطره الى الهروب منهم.

ربما قد يجدون ضالتهم فى كتاب العميد " فى الشعر الجاهلى"، الذى طبع فى عام 1926، هذا الكتاب الذى صاغه بناءا على مبادئ النزعة العقلانية للفيلسوف " ديكارت" بعد أن عاد من دراسته بفرنسا سنة 1919 مستوعبا لأفكاره التى تتمثل فى اولوية العقل وقدرته الذاتية على إدراك الحقيقة، كما يعنى تفسير المبادئ التى تصدر عنها الأشياء تفسيرا سببيا يقبله العقل.

فى هذا الكتاب خلص أديبنا الى أن ما يسمى بالشعر الجاهلى هو فى معظمه منحول فى القرن الثانى للهجرة، أن ما تقرأه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس في شيء، وإنما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة أو تكلف القصاص أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين".وتعرض فى الكتاب الى بعض قصص القرآن ومنها ما يتصل بشكه في الوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل، ومنها ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه، وقد سبب الكتاب ردود فعل أدت الى مصادرته وسط خصومات سياسية بين حزبى الوفد والأحرار الدستوريين الذى تبنى أفكاره، وقد أدت الاتهامات إلى تقديم طه حسين إلى المحاكمة، عندما تقدم الشيخ حسنين الطالب بالقسم المخصوص بالأزهر ببلاغ لسعادة النائب العمومي يتهم فيه طه حسين بأنه ألف كتابا أسماه في الشعر الجاهلي ونشره على الجمهور، ويؤكد "أن في هذا الكتاب طعنا صريحا في القرآن، حيث نسب المؤلف الخرافة والكذب لهذا الكتاب السماوي الكريم".

ويتحرك شيخ الأزهر فيرسل، بدوره بلاغا إلى النائب العام في أوائل يونيو سنة 1926 وتقريرا من علماء الجامع الأزهر عن طعن طه حسين بكتابه في القرآن والنبي. ويتقدم أحد أعضاء مجلس النواب ببلاغ هو الاخر يتهم فيه طه حسين بالتعدي على الإسلام، ويقول زعيم الوفد "سعد زغلول" قولته الشهيرة (ماذا علينا إذا لم يفهم البقر")، يقصد بذلك طه حسين.

وفى وسط هذه الحمى تم مصادرة الكتاب وتحويل العميد الى النائب العام، ولكن رئيس نيابة مصر محمد نور الذى أصدر قرارا تاريخيا بحق الكتاب والمؤلف جاء فيه "إن للمؤلف فضلاً لا ينكر في سلوكه طريقا جديدا للبحث حذا هذا فيه حذو العلماء من الغربيين، ولكنه لشدة تأثره بما أخذ عنهم قد تورط في بحثه حتى تخيل حقا ما ليس بحق أو ما لايزال في حاجة إلى إثبات أنه حق. إنه قد سلك طريقا مظلما فكان يجب عليه أن يسير على مهل وأن يحتاط في سيره حتى لا يضل، ولكنه أقدم بغير احتياط فكانت النتيجة غير محمودة. وحيث إنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين، بل إن العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواضع من كتابه إنما قد أوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها، وحيث إنه من ذلك يكون القصد الجنائي غير متوفر، فلذلك تحفظ الأوراق إداريا".

هكذا طويت صفحة الأزمة، ولكن العميد أصبح أكثر حذرا فيما يكتب، حيث أعاد طبع الكتاب بعد حذف العبارات محل الشك منه باسم جديد هو "فى الأدب الجاهلى" عام 1927، ولكنه أسهب فى التدليل على وجهة نظره فى الأمور التى لم يختلف عليها.

هذه نقرة، ولكن كتاب الأيام نقرة أخرى، فالكتاب ليس فيه طعنا لأحد، ولا تماس مع الدين فى شيئ، قرأناه كأطفال ودرسناه فتيانا دون أن يسترعى إنتباه أحد أى خروج عن المؤلوف أو تجاوز فيه، ولكنه الفكر السلفى العقيم الذى أصبح يسيطر على حياتنا، بمواقفه المعادية للحرية الفكرية وحقوق الإنسان وكل شيئ، وكأننا نعود القهقرى الى أحلك عصور التخلف والإنحطاط ونحن فى القرن الحادى والعشرين.

هكذا كانت مصر فى الثلث الأول من القرن العشرين، ليبرالية متفتحة تقبل الرأى والرأى الآخر دون حساسية أو تعصب فى حماية دستور 1923، أيام كان " إسماعيل مظهر" ينشر كتاب ( لماذا أنا ملحد) ليرد عليه آخر بكتاب ( لماذا أنا مسلم )، وأيام كان المجتمع يسمح لجميع الأزهار أن تتفتح وجميع المدارس الفكرية أن تتصارع، وهذا حالها الآن لا تتحمل عمل مثل الأيام.

فى الختام يحضرنى بيتا من الشعر قاله رائد التنوير الدينى الإمام "محمد عبدة" فى مواجهة العقول المتحجرة التى تحارب الحرية:

ولكنه دين أردت صلاحه.........أحاذر أن تقضى عليه العمائم

ودمتم

1 comment:

Sonnet said...

للأسف كلا الوزيزين يشغل الناس بأحاديث فرعية
بالرغم من أن الأولى بكليهما أن يوسع أفقه و يهتم بأمور الوزارة و ليس فقط قضية بسيطة يكمن حلها في حرية الدراسة لرواية واقعية يستطيع الطالب قراءتها و نقدها
دون التحجج بأنها تسيء أو لا تسيء للأزهر أو غيره