Tuesday, June 15, 2010

على هامش الصراع بين المحامين والقضاة


محكمة

عندما يصرخ الحاجب فى قاعة المحكمة بهذه الكلمة فيجب على الجميع الوقوف فى صمت ورهبة وأدب ولا يستطيع أحد الجلوس حتى يجلس القاضى على منصته العالية ويشير اليهم بالجلوس، كما ان القاضى يمكن ان يومئ الى اىشخص بالقاعة ويطلب من الشرطى ادخاله القفص، وله سلطة ايقاف اى شخص بما فى ذلك المحامين عن الكلام، ويمسك بيده مطرقة خشبية يضرب بها على المنصة بعنف لتنبيه الجميع اذا أحس اى خروج أو همهمة بالقاعة بل أنه قد يأمر بإخلاء القاعة اذا رأى مبررا لذلك.

هذه هى الصورة النمطية للقاضى فى كل بلدان العالم، واللهم لا إعتراض، فهذه بعض حقوق القضاة حتى تحفظ لهم هيبتهم واستقلالهم وتبقى لهم هذه الهالة من القدسية، وتظل الأنظار دائما معلقة بشفاههم لسماع ما ينطقونه من حكم فى القضايا التى تعرض عليهم، وتعلمنا من الصغر أن الحكم عنوان الحقيقة، وأن العدالة عمياء تمسك فى يمينها ميزان العدل، وأن سلطة القضاء مطلقة تحلق وحدها بعيدا عن باقى السلطات فليس لنا نحن العباد مناقشة الأحكام بعد صدورها أو التشكيك فى عدالتها أو حياد القائمين عليها.

ولكن عفوا سيادة القضاة واسمحوا لى أن أتكلم من واقع خبرتى المحدودة كمتهم سابق كثيرا ما وقف أمامكم فى قفص الإتهام فى قضايا سياسية وعرف الفرق بين العدالة والظلم وبين نزاهة القاضى وانحيازه للسلطة فى أحيان كثيرة، وأنا هنا أتكلم عن القاضى الطبيعى وليس الذى فى المحاكم الإستثنائية فهى من إسمها تدل على تجاوزها للعدالة والحق، ولكن قبل ذلك اريد ان أميز قليلا بين موقفين، موقف النيابة التى يسمونها بالقضاء الواقف، وموقف القضاة أو القضاء الجالس المنوط بهم إصدار الأحكام، أريد أن أقول أن النيابة بجميع درجاتها ابتداءا من معاون فوكيل فرئيس نيابة ثم محامى عام وفى القمة يأتى النائب العام جميعهم بلا إستثناء منحازون للسلطة ويقومون بدور مكمل لدور المباحث العامة أو مباحث أمن الدولة، والعلاقة بينهم متكاملة ومتناغمة، هذا ما شاهدناه فى جميع القضايا السياسية التى اتهمنا فيها، وفى حالات كثيرة كانت النيابة تجرى تحقيقاتها فى مبنى المباحث او فى السجن بالمخالفة للقانون، وعادة ما تعتمد فى قرار اتهامها على معلومات مضللة وناقصة وتحريات مفبركة تقدم اليهم من الأجهزة الأمنية.

أما القضاء الجالس وبرغم محاولاتنا المستمرة لتنزيهه والإشادة المستمرة بعدالته وحيدته، وكأننا نحاول دائما أن نحافظ على صورته فى أذهاننا ناصعة البياض، وأن نعتبره السد العالى و الحصن الواقى فى مواجهة تغول السلطة، ولكنه للأسف فإنه غالبا ليس كذلك، إذ أنه ومنذ زمن بعيد وفى ظل نظام دكتاتورى غاشم يتحسس مسدسه كلما سمع كلمة ديموقراطية، ويتحدث عن الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب بتعريفات يضعها من عنده، كان لابد ان تصادر حرية القضاء وإستقلاليته، منذ أن ضرب رجل القانون الدستورى المستشار السنهورى بالحذاء.

لقد عملت سلطة يوليو على التعامل مع جهاز القضاء باستخدام سيف المعز وذهبه، فالذهب يتمثل فى الكادر الخاص والعلاوات والحوافز والإعفاءات من الجمارك والمخالفات ومد سن المعاش وإجازة سنوية ( فاكنس ) لثلاث شهور مدفوعة الأجر، بالإضافة لتخصيص المساكن والمصايف والأندية والقرى السياحية، وتعين أبناؤهم استثناءا فى سلك القضاء، وأما السيف فمعروف من الإحالة للتقاعد للنقل للحرمان من الترقيات والعلاوات وخلافه.

من هنا فثقة التاس البسطاء فى عدالة القضاء ضعيفة، ويتحدثون عن القضايا الكبرى المعروضة فى المحاكم وكيف ستفبرك لصالح السلطات وكبار الرأسماليين، خصوصا ومع تكرار ما ينشر عن قضايا رشوة وفساد بين القضاة، و سطوة وإستغلال للنفوذ، رغم أن كل ذلك لا يجب ان يجعلنا نتعسف فى أحكامنا ولا نرى النصف الآخر من الكوب وهو أن هناك الكثير من القضاة الشرفاء، الشوامخ فى مواقفهم وأحكامهم، وان القضاء هو الأمل الباقى لهذه الأمة لأنه لو انهار فقل على الدنيا السلام.

نعود للمعركة المحتدمة هذه الأيام بين القضاة والمحامين، هى فى الحقيقة معركة قديمة متجددة تتجلى أحيانا فى أشكال من الإحتقان اثر مشادة او تلاسن بين محامى ووكيل نيابة، المشكلة كما تبدو تكمن فى طريقة تعامل وكلاء النيابة مع المحامين بإستعلاء مستغلين فى ذلك سلطتهم واحتمائهم بجهاز الشرطة، مع أنهم ( وربما كان هو السبب ) خريجوا كلية واحدة، وكانوا فوق مقعد دراسة واحد، وفرق المجموع بينهم السبل، فانضم المتفوقون الذين فى معظمهم من الأغنياء الى سلك النيابة فالقضاء، بينما الباقين وهم الآغلبية الساحقة إنضموا لفئة المحامين، وللأسف فالأعداد التى تضخ سنويا من كليات الحقوق من المحامين بالآلاف بما يفيض كثيرا عن حاجة السوق لذا فهم أكثر فئات المجتمع تعرضا للبطالة، تجدهم فى كل مكان يمتهنون مهنا لا تليق بهم أو تعادل تعليمهم، على أبواب المحاكم والشهر العقارى والسجل المدنى، يزاحمون الكتبة والمحضرين فى لقمة عيشهم، بينما يرون زملائهم فى سلك النيابة يتمتعون بحياة معقولة ومصدر دخل ثابت مناسب مما يوغر صدورهم ويؤدى الى كثير من المشادات والإحتكاكات بينهم، فى ظل ظروف اجتماعية واقتصادية متردية وحالة من الإحتقان العام تشمل جميع الطبقات والفئات.

تلك هى المشكلة