Monday, October 30, 2006

البدلة الحمراء


عجيب أمر هذه الحياة, نحبها حتى العشق, ونتمسك بها بكل ما نملك, لكن لا نشعر بقيمتها الحقيقية الا فى اوقات الأزمات, حين نكون مهددين بفقدانها, فى اوقات المرض الشديد, وفى المحن الكبيرة, أوعندما يتقدم بنا العمر.
لم يكن فى حسبانه أن يحدث ما حدث على هذا النحو,فالبدايات لا تنبأ دائما بالنهايات, يستعرض مجمل حياته, حياة شبه طبيعية, لم تكن نعيما, لكنها لم تكن جحيما الاّ الآن.
هذه هى التجربة الأولى ويقينا الأخيرة, فقد انتهى كل شيئ ولابد أن يواجه الحقيقة, منذ أن لبس البدلة الحمراء فى حجز المحكمة بعد النطق بالحكم , وتحويل أوراقه الى المفتى, أحس بهذه البدلة شوكا يدمى جلده , ونارا تحرق جسمه.
منذ عودته من المحكمة تغير كل شيئ, تم عزله عن الجميع, ووضع الحديد فى قدميه, زنزانتة مختلفة, مضاءة ليلا ونهارا, على الباب شراعة كبيرة مفتوحة بها قضبان, وبالخارج يقف حارس يتم تغييره باستمرار.
تم تفتيش الزنزانة وإفراغ جميع محتوياتها , فقط بطانيتين سوداويتين أحدهما ينام عليها, والأخرى لغطائه, وأدوات طعام بلاستيكية, جدران الزنزانة مبطنة بالإسفنج, وحتى ادوات الحلاقة أخذوها, والبرش الليفى الخشن سحبوه, حتى لا يستعمل حباله لشنق نفسه, كخروف الأضحية يربونه للذبح, تمتم فى سرّه:أغبياء, لا يعلمون أننى أعشق الحياة ولوبقيت فى السجن إلى الأبد.
فى كل صباح, يأخذونه إلى باحة السجن للفسحة, إثنين من العساكر وضابط, يسيرون به فى ساحة السجن يوميا فى دورة كاملة,مارين بغرفة الإعدام, حتى يتعود على هذه الخطوات فى إنتظار اليوم الموعود.
هل يمكن أن تنتهى حياته بهذه السرعة, لم يحسب لذلك يوما, يفكر فى جدوى هذه الحياة, وما الحكمة فى مجيئه اليها أصلا, وما سبب هذا الوجود, أحيانا ما يشعر أنها مسرحية كبيرة يشارك فيها كل الكائنات على الأرض, الكل يمثل على بعضه, وهو يعيش كالحالم لا يملك من أمره شيئا.
أحس بدنو أجله, غمرته نوبه من الروحانيه, حاول إيهام نفسه أوالآخرين بذلك, يضع المصحف بين يديه معظم الوقت, عيناه زاغئتان بين الصفحات, رأسه مشحون بإنفعالات شتى, يشتاق لرؤيتها, ماذا لوتنازلت وقامت بزيارته لمرة أخيرة قبل أن يقتلونه.
ممنوع عليه الاتصال بالآخرين من السجناء أو تبادل الحديث معهم, حتى موعد زيارته اليومية لدورة المياة لا تتم الأ بعد أن تغلق الأبواب على الجميع, لا يحق له سماع الأخبار أوقراءة الصحف ولا الزيارات أو أىشيئ من هذا الترف, فقط هو الحارس الذى يتجاذب معه الحديث خلسة أحيانا.
تعاوده الكوابيس طوال نومه, يصحو مذعورا وحبل المشنقة يلتف حول رقبته فى عنف, تتراءى له الأشباح فى نومه ويقظته, لا يعرف الى اين يهرب من كل اللذين يطاردونه, حاول مرّة أن يتمرد بالدق بكلتا يدية على باب الزنزانة الحديدى, وكان الرد عليه بسرعة وخشونه شديدة, فلم يكرر المحاولة.
فرجة الأمل الوحيدة حين تحدد موعد جلسة محكمة النقض, أحس بالفرحة تغمره, هاهو أمل جديد فى البراءة أو تخفيف الحكم يفتح, أيضا سيخرج الى النور, ويستنشق هواءا طبيعيا, ويرى الناس و بعض الأهل, والأهم من ذلك أنه سيراها.
عاد كسيفا مكتئبا, يشعر بالارهاق النفسى والجسدى الحاد, تمنى لو أنه لم يخرج, صدق على الحكم قاض كئيب المنظر, عاتبه أقرباؤه بخشونه, وحين نزلت هى من سيارة السجن الأخرى فى ملابسها البيضاء, لم تعطه أدنى اهتمام, وفى قفص المحكمة الحديدى أعطته ظهرها وتطلعت الى الجهه الأخرى.
يحس أنه يختنق, لم تعد رئتيه تمتلآن بالهواء,يحس بنيران تمزق أحشائه, فقد الرغبة فى الأكل, تبدأ رحلة عذابه اليومى مع خيوط الفجر فى انتظار الساعة السادسة, يفتحون عليه فى خشونة, ويحملونه الى رحلته اليومية, يخفق قلبه بشدّة عندما يقتربون به الى غرفة الاعدام, يتنس الصعداء حين يبتعدون, يشعر انه كسب يوم جديد كامل.
فى تلك الليلة وقبل أن يستكمل السجّا
ن التمام على المساجين, لاحظ أحدهم من الزنزانة المقابلة يبعث اليه باشارات واضحة,غدا فى الصباح الباكر سوف يقومون باعدامك.
لم ينم, حاول الا يصدق, لكنها الحقيقة, هكذا وصل الى النهاية, صور جميع من عرفهم تتزاحم أمامه, الأموات يلتفون حوله فى فوضى, صورتها لا تفارقه, نوبات من البكاء الشديد تعاوده, ,قبل آذان الفجر شعر بصفاء روحى مفاجئ, أحس برغبة شديدة أن يصافح الجميع ويأخذهم فى أحضانه.
أفاق على جلبة وأقدام عنيفة على السلم الحديدى, كانوا هم, ومعهم آخرين, تحدثوا اليه بهدوء مصطنع, فقد القدرة على السماع أو الفهم, تقدم منه رجل يرتدى بالطو أبيض, وضع سماعة طبية على صدره, غريب ذلك الاجراء, ما معنى الاطمئنان على صحته فى هذا الوقت, لم يهتم ,كشبح يتحرك دخل آخر يرتدى عمامة, حاول أن يلقنه بعض الكلمات, غمغم وراؤه دون اهتمام, على الدرجات الأولى من السلم الحديدى ممسكين به حاول التماسك, رفع رأسه الى المساجين المكومين خلف شراعات الأبواب المغلقة,بصوت متحشرج قال: سامحونى, لم تستطع قدميه حمله, انهار على الأرض رفعوه من ذراعيه , كان بنطلونه مبللا, خارجا من باب العنبر, الضوء ساطع, لفحته نسمة هواء قوية, , باب غرفة الاعدام مفتوح ,بينما
الراية السوداء ترتفع على جدران السجن.

(تمت)

1 comment:

mahmoud said...
This comment has been removed by a blog administrator.