Sunday, June 07, 2009

سلطنة عمان..وتوليفة التسامح


لمدة تزيد عن 20 عاما عملتها فى سلطنة عمان, أدّعى أننى قد كونت خبرة ليست قليلة عن هذه الدولة الفتية, ولا أزعم أن ما تراكم من خبرات كله إيجابى, الا أن أكثر ما أثار إنتباهى هى هذه التوليفة العبقرية للتسامح تجاه الذات والآخر التى تشكل نسيجا عضويا فى التركيبة العمانية.
بداية فإن الواقع العمانى يتركب من فسيفساء عرقية وإثنية ومذهبية وقبلية شديدة التعقيد, وذلك بسبب الخلفية التاريخية التى تحكم هذا المشهد, فقد احتل البرتغاليين بقيادة البوكيرك عمان فى بدايات القرن السادس عشر واستمر هذا الاحتلال حتى قيام دولة اليعاربة بقيادة الامام "ناصر بن مرشد" الذى إستطاع وابناؤه من بعده طرد النفوذ البرتغالى من سواحل عمان وطاردوه فى الساحل الافريقى وسواحل الهند وفارس.
وبقيام حكم اسرة البوسعيديين بقيادة "أحمد بن سعيد" عام 1738م وإستخدام تسمية السلطنة بدلا من الإمامة بدأت الدولة العمانية فى الإستقرار وتوقفت النزاعات الداخلية, وتم بناء اسطول بحرى قوى استطاع السيطرة على المياه فى المحيط الهندى وتثبيت سيطرته على الساحل الإفريقى فى زنجبار ومومباسا, وبوفاته ونشوب الصراع بين أبنائه على السلطة قويت شوكة الإمامة مرة أخرى وإشتعلت الحروب ليعود نظام الإمامة حينا والسلطنة أحيانا حتى توقيع إتفاقية السيب عام 1920 بوساطة انجليزية والتى تم بمقتضاها تقسيم البلاد بين عمان الساحل تحت سلطة السلطان وعاصمتها مسقط وعمان الداخل تحت سيطرة الأئمة وعاصمتها نزوى. وفى عام 1932م اعتلى الحكم السلطان "سعيد بن تيمور" والذى أكمل تعليمه فى الهند, وفى عهده استمر تدهور الأوضاع واحتدام الصراع مع نظام الإمامة وأغلقت البلاد عن جوارها مع وجود نظام حكم أوتوقراطى بالغ فى استبداده وتخلفه ليحظر على المواطنين الصحف و الراديو والتدخين ومنعهم من التعليم أو السفر او حتى من بناء بيوتا لهم.
فى ظل هكذا أوضاع كان لابد أن تنفجر البلاد ويثور الناس, فعمت الصراعات لتشمل الساحل والصحراء, الشمال والجنوب, الحضر والريف,
واندلعت الثورة فى ظفار.
كانت ظفار وهى أقصى الأقاليم فى جنوب البلاد تحت حكم السلطان اسميا, ولكنها كان دائما لها درجة عالية من الخصوصية وتتمتع بنوع من الحكم الذاتى, وسكانها حادى الطباع, ذوى انفة وعزة نفس, يسمونهم فى عمان "الجبّالة" لسكناهم الجبال, وكانوا دائمى التمرد على المركز, وكان السلطان "سعيد بن تيمور" يقيم بصفة شبه دائمة فى صلالة, وكانت زوجته والدة ابنه قابوس من قبيلة ظفارية, ناهيك عن إعتدال مناخها, وبعدها عن المشاكل فى مسقط.
ولكن فى عام 1963 تجمعت فى هذا المكان ثلاث منظمات صغيرة متمردة فى هى " حركة القوميون العرب"و "الجمعية الخيرية العمانية" و "منظمة الجنود الظفاريين" ليندمجوا معا مشكلين (الجبهة الشعبية لتحرير ظفار) ذات الميول اليسارية, والتى خاضت حربا لا هوادة فيها ضد نظام الحكم بتأييد من الصين ثم الإتحاد السوفيتى والنظام الشيوعى الحاكم فى عدن, وبعض الأنظمة الراديكالية العربية, لتستطيع الجبهة السيطرة على أجزاء كبيرة من اقليم ظفار ولتحاصر السلطان فى مدينة صلالة.
وقد لاقت هذه الجبهة تأييداً واسعاً من مختلف القطاعات نتيجة حالة البؤس والحرمان والضنك الذي كانت تعيشه البلاد. وقد حققت أفواج هذه الثورة انتصارات كبيرة وكادت تقضي على السلطان سعيد بن تيمور فى محاولة إغتيال.
فى ظل هذه الأوضاع المتردية إستطاع الإبن الأوحد للسلطان سعيد أن يدبر إنقلابا على أبيه من داخل سجنه ( كان سعيد بن تيمور قد سجن ابنه قابوس فور عودته من دراسته العسكرية بكلية "ساند هيرست" فى لندن خوفا منه ولإستشعاره ان له ميولا فكرية مع ثوار ظفار).
بعد توليه الحكم في 23 تموز 1970بادر السلطان قابوس إلى جعل اسم «سلطنة عمان» الإسم الرسمي لدولته، وعمد إلى نهج سياسة جديدة قائمة على إزالة كل مظاهر التخلف الشديد التي طبعت عهد السلطان سعيد، والانفتاح على العواصم العربية والأجنبية. وأراد أن يخرج الجيش العماني من مأزقه، فطلب دعماً من الأردن، ثم من المملكة العربية السعودية، وكذلك من باكستان، وفي عام 1973 أرسل شاه إيران حملة عسكرية من آلاف الجنود (مزودة بطائرات هيليكوبتر وسفن حربية)، فنزل قسم منهم في صلالة عاصمة ظفار. وبدأت المعارك مع الثوار. وفي أقل من سنتين، تمكن السلطان قابوس مع هذه القوات من القضاء نهائياً على هذه الثورة الوليدة وليعلن إنتهاء الثورة المسلحة بشكل نهائي فى 1975م وتطوى صفحة ناصعة من النضال الثورى شارك فيها عشرات المتطوعين من الدول العربية.
وقد أعلن السلطان قابوس خلال هذه الفترة أكثر من مرة العفو العام (1972) وحاول صادقا استيعاب خصومه فى جهاز الدولة مثل الدكتور رجب حافظ سلامة من زعماء الجبهة أول وزير للزراعة (إن لم تخوننى الذاكرة) ويوسف بن علوى الذى ما زال يشغل حقيبة الخارجية حتى الآن وكان قائد فصيل الجمعية الخيرية العمانية قبل الإندماج لتشكيل الجبهة.
كما استطاعت سياسة التسامح الحكيمة لجلالة السلطان ان تستوعب الخصوم من جبهة الإمامة وتم تعيين عدد من الولاة والسفراء منهم كما تم تعيين الشيخ العلامة" أحمد الخليلى" على رأس السلطة الدينية كمفتى عام للسلطنة.
على أن أهم ما ميز هذه السياسة هو القدر الواسع من التسامح الدينى, فبالرغم من اعتبار المذهب الإباضى هو المذهب الرسمى للدولة (وهو من أقدم المذاهب الإسلامية ويتسم بالتشدد, وتم الإعتراف به فى ملتقى العالم الإسلامى كثامن المذاهب الإسلامية*), إلاّ أن السياسة الدينية بوجه عام تجاه المذاهب الإسلامية الأخرى ظلت متسامحة الى أقصى الحدود, خاصة تجاه المذاهب السنية الأربعة التى يدين بها معظم أهل عمان.
كما يحظى الشيعة فى عمان وهم أقلية دينية بتمثيل واسع فى جهاز الحكم وفى المجتمع, ويتم الإحتفال بأعياد الشيعة على أعلى مستوى, ويرفع الآذان من على مآذن مساجدهم (أشهد أن محمدا رسول الله, وأشهد أن عليا أمير المؤمنين ولى الله).
كذلك يتعايش المجتمع مع البهائيين بحب وتسامح, يحيون أعيادهم بحرية ويمارسون شعائرهم فى محافلهم بنفس الحرية, كما تكتب ديانتهم فى الجوازات والبطاقات دون أدنى حساسيات.
حتى المسيحيون يؤدون صلواتهم فى كنائسهم بدون مشاكل, وترتفع أجراس الكنائس شاهدة على ذلك, و أصحاب الديانات الأرضية كالهندوس يمارسون طقوس حياتهم بكل حرية, لا يتدخل أحد فى ما يؤمنون به.
كما أن عبيد وإماء الأمس يحيون أحرارا ويشاركون فى بناء وطنهم دون تمييز أو طبقية, يشغلون أعلى المناصب فى الجهازين المدنى والعسكرى.
بالله عليكم الا يستحق أن نوجه تحية إحترام وتقدير لهذا الشعب وقيادته.
المذاهب الإسلامية المعتمدة هى أربعة مذاهب للسنة وثلاث للشيعة بالإضافة للمذهب *

3 comments:

mahmoud said...
This comment has been removed by a blog administrator.
omani50 said...

شكرآ على الموضوع الجميل



تحياتي وتقديري

omani50 said...

شكرآ على الموضوع الجميل



تحياتي وتقديري