Tuesday, June 16, 2009

جريشة..حكاية بطل شعبى




دائما ما يحلم الفقراء بالمخلّص, البطل القادم من وراء الغيب, الذى ينتقم لهم من ظالميهم, ويأخذ لهم بثأرهم من مغتصبيهم, وقد إبتدعت الشعوب هذه الشخصيات الأسطورية منذ أقدم العصور, أوزوريس في الأسطورة الفرعونية, وجلجامش في البابلية, وشمشون في الميثالوجيا التوراتية, وهرقل في الأسطورة اليونانية, وأبو زيد في تغريبة بني هلال, والأمثلة لا نهاية لها.
وفى الحلم الشعبي فإن البطل دائما قريبا منهم, من نفس مستواهم االطبقى, وهو دائما يمثل الخير فى مواجهة الشر, و الذي ينتصردائما فى النهاية .
على أن بطلنا هذه المرة هو بطل حقيقي, وليس من صنع الفقراء, إنه إنسان بسيط من سكان حي كرموز الشعبي بمدينة الإسكندرية, لم يتعلم فى مدرسة أو جامعة, بل علمته الحياة بكل مرارتها وقسوتها, وتعلم من الشارع ومن ظلم البشر, الغريب أن هذه الحياة القاسية التى عاشها لم تجعل منه انسانا عدوانيا , بل عاش حنوا على أبناء منطقته جميعا, فقيرهم وغنيهم, ضعيفهم وقويهم, بلا تمييز ولا إستثناء.
عاش "جريشة" يتيم الأبوين, لم يكفله أو يربيه أحدا, نشأ كنبت شيطانى, يحن عليه البعض ويركله البعض بأقدامهم, عرف ليالى الجوع الطويلة, نام فى برد يناير على الرصيف, وتعرض لكل أنواع الإيذاء والتحرش,
وتعلم أن ينتزع لقمته من فم الذئاب, اشتغل فى أحط وأدنى الأعمال, فى الخدمة بالمنازل, وفى مسح الأحذية, وفى جمع القمامة وغيرها.
عندما شب عن الطوق بدأ بسرقات صغيرة, كاسيت سيارة, ثياب من على حبل غسيل, لكنه لم يتجرأ على النشل, أو سرقة البيوت, إلى أن عرف طريق الجمرك, وبدأت السرقة من السفن الراسية بالميناء تستهويه, لامست فيه روح المغامرة والمخاطرة والمكسب السريع, سرعان ما على صيته وسطع نجمه, وأصبح واحدا من لصوص الجمرك المشهورين.
تعرض لملاحقة رجال الشرطة, ودخل سجلاتهم كمسجل خطر, أصبح مطاردا, وتحولت حياته الى هارب, فى النهار يعيش فى حيّه ومنطقته محاطا بالناس, وينام بالليل فى مقابر العمود القريبة, والتى تتحول ليلا الى أوكار لعتاة المجرمين, لاتجرأ الشرطة الدخول اليها.
الناس هنا لاتعتبر السرقة من الجمرك خروجا على القانون, بل هذا النوع من اللصوص فى نظرهم أبطالا, أصبح جريشة أشبه بالبطل الشعبى "روبن هود" يوزع حصيلته من السرقات على أبناء منطقته, واشتهر بينهم بالطيبة, يضفى حمايته على الجميع, يحمى بنات حيه من مضايقات الطفوليين, ويحمى سكان المنطقة من عدوان الأراذل, أشبه بعاشور الناجى فى حرافيش "نجيب محفوظ", يحتمى بالفقراء ويحميهم.
فى إحدى الليالى حضرت حفلا شعبيا فوق سطح أحد البيوت هناك, سبوع مولود أقامه قهوجى من المنطقة, كان جريشة ورفاقه حاضرين, عندما بدأ المطرب الشعبى بالغناء, إعتلى جريشة الخشبة, وأمسك بالميكروفون وسط تهليل الجميع (
النقطة دى من جريشة, ومن كل حرامية الجمرك, الرجالة الى بتخطف الجنية من ماسورة البندقية , وأخذ يرمى بالعملات الورقية الكبيرة تحية للفرح وأصحابه.
كان نشاطه بالليل, وفى النهار تراه جالسا على مقهى فى الحى, يوزع ابتساماته وتحياته على الجميع, عندما يشاهد أطفالا يلعبون الكرة الشراب سرعان ما ينزل للعب معهم, وفى نهاية الماتش يشترى صينية بسبوسة, أو صندوق كوكاكولا يوزعه عليهم, وإذا شاهد بائع خس أو فجل يشترى منه كل ما معه, ويوزعه على السكان مجانا।
لم يكن يؤذى أحدا, أو يضمر شرا لأحد, حكى لى "عبد المجيد الخولى" أحد فلاحى "كمشيش" فى سنوات الإبعاد, أنه إشتغل خفيرا لمخزن مواد بناء, وفى إحدى الليالى قبيل الفجر جاءه شخص وحياه, عرّفه بنفسه, كان هو جريشة, قال له أنه بصراحة يمر ببعض الظروف وأنه جاء لسرقة حديد تسليح من المخزن, ولا يريد أن يتعرض له بسوء, بعد حوار قصير اقنعه اعبدالمجيد أنه بفعلته هذه سيضّره, رجع عما إنتواه, وسهر معه ليلتها حتى الصباح
عندما عين للمنطقة ضابط مباحث جديد عرف عنه القسوة والعنف, كان هذا الضابط مصمما على الإيقاع بلصوص الجمرك فى منطقته, حاول أكثر من مرة أن ينصب كمينا لجريشة لكنه فشل, كان جريشة كالثعلب شديد الإحتياط, إحتال الضابط عليه عن طريق إحد البنات الائى يصاحبهن, إستطاعت أن تستدرجه ليلا من المقابر, لم يكن فى نية هذا الضابط القبض عليه, عاجله برصاصة فى رأسه, سكنت بين عينيه
إنطلق الخبر فى شوارع كرموز بسرعة البرق, (جريشة قتلوه), وفجأة وبدون ترتيب إنطلق صراخ النساء فى البيوت, ونزل الرجال والأطفال الى الشوارع, شكلوا مظاهرة كبيرة الى نقطة "الفراهدة" فأحرقوها, ثم إستدار المتظاهرون الى قسم "كرموز" ليشعلوا فيه النار, يحكى لى صديق من سكان الحى أن أمه السيدة الكبيرة التى لم تكن تنزل الى الشارع, نزلت فى هذا اليوم تولول وتهيل التراب على رأسها.
أعلن حظر التجول بالمنطقة, ونزلت قوات الأمن المركزى الى الشوارع للسيطرة على الوضع, قبض على العشرات ورحّلوا الى سجن الحضرة بدون تحقيق, وإكتست المنطقة كلها بالسواد, وفى الجنازة تم القبض على جميع المشاركين, أعلن رفاقه على قبره أنهم سينتقمون من قاتله, ونصّبوا شقيقه "العربى" خليفة له.

قصيدة لم تكتب فى رثاء "جريشة" :

الفاتحة له
عاش.. زى دكر النحل
مات ..زى دكر النحل
نعشه.. يدوبك ع الطريق فايت
باع عمره للكيف والضيوف
كان كل من حياه صديقه
وصحابه يغديهم بلحم الكتوف.

فى جنازته بكيت فيه بنات الحارة
لبست عليه سعدية توب الحداد
وعاصت الندابة بالطين القديم جبهتها
- سعدية ما زالت حورية وإنت فين رايح
سعدية مين بعدك يعول بيتها

3 comments:

Mohamed Anwar said...

شكرا علي المجهود-thank you
http://24all.blogspot.com http://pc4all2all.blogspot.com

mahmoud said...
This comment has been removed by a blog administrator.
منتديات الادبية و الفلسفية said...

http://www.bayt4.com