Monday, February 15, 2010

لا تكلمنى شكرا


لا أعرف سببا واحدا لقيام مخرج متميز مثل "خالد يوسف" بإخراج هذا الفيلم بعد سلسلة أعماله الناجحة منذ العاصفة، نعم لقد لاحظنا تدنى أعماله منذ " حين ميسرة" فيلما وراء الآخر لكن لم أتوقع أن يصل به الأمر الى هذا المستوى، لاشك أن الفيلم الأخير تجارى بإمتيازو يذكرنا بظاهرة أفلام المقاولات التى غزت السينما المصرية فى سبعينيات القرن الماضى، لكن الجديد فى هذا الفيلم أن المخرج يقوم بعملية تصالح مكشوفة مع السلطة متجاوزا كل مقولاته السابقة حول الفساد والتعذيب ليظهر الجهاز الأمنى فى صورة لطيفة بل ومتعاطفا مع الفقراء والمهمشين حتى آخر لقطة، وعدم استخدامه لأى شكل تعود عليه فى مجمل أعماله السابقة للأمن المركزى وهو يقمع المظاهرات مثلا، حتى أنه يحاول تبرير سرقة أقوات الشعب، من خلال الظروف التى تدفع الفران الذى يبيع الدقيق المدعوم للقيام بذلك، بل يصل به الأمر لتشويه الفضائيات المعارضة بإفتعال مشهد مفبرك عن التعذيب، متهما لهذه الفضائيات بافتعال مشاهد التعذيب وكأنها من صنع الخيال، ومحاولة اثبات ذلك عمليا مما يطعن فى مصداقية جميع ما يذاع وينشر عن التعذيب وكأنه مجرد تمثيل،والغريب ان موقفه من قوة الجماهير وصلابتها قد تغير ايضا، فهى تنهزم سريعا امام طلقات فى الهواء من عصابة صلاح معارك، هذه الجماهير نفسها التى إقتحمت قسم الشرطة فى فوضى للإفراج عن مسجون.
ورغم ان المخرج لم يقوم بتشتيتنا من خلال حشر كل القضايا بشكل بانورامى فى شريط واحد كما عودنا فى افلامه السابقة واكتفى ببعض القضايا مثل التى عالجها بسطحية شديدة مثل أزمة الخبز وتشفير المباريات وشيوع المواقع الإباحية على النت، والزج بموضوع أطفال الشوارع فى محاولة فاشلة لقضية مفتعلة وإصابتهم بالعمى الناتج عن شم "الكولّة" حيث لا ينجح فى جذب تعاطفنا أو حتى إقناعنا بموضوع العمى الذى يجيئ فجأة وبلا مقدمات، خصوصا أن من عرضهم بالفيلم ليسوا أطفال شوارع بل هم مجموعة من الأطفال المنحرفين من عزبة "حليمة" تضامن معهم جميع ساكنيها فى مشهد نهاية فولكلورى فج.
المشاهد الجنسية فى الفيلم ليست هى مشكلته، ولكن الحوار المبتذل واستخدام لغة شديدة السوقية وجارحة للذوق العام هى المشكلة، فما قامت به غادة عبدالرازق "أشجان" وحتى أختها فتاة النت ياتى فى السياق العام للفيلم ولكن المخرج وظّف هذه المشاهد لجذب المراهقين كما يظهر فى الإعلانات التى تم تسويقها عن الفيلم، ربما كان ذلك سببا غير كافى لعرض الفيلم للكبار فقط ، ويأتى ذلك ربما على هوى المخرج لأنه يساعد على المزيد من الترويج.
الفيلم يفتقد الى الصراع الحقيقى سوى بعض المشاكل المعتادة بسبب المصالح المتناقضة لأبناء الحارة، بين عاطف الطاير( شادى خلف ) وابراهيم توشكا فى موضوع خطوط الموبايل المحروقة أو المباريات، وحتى هذه ينهيها المخرج بطريقة ساذجة حرصا على النهايات السعيدة، حيث يتحول الطاير فجأة من عدو الى صديق، وأيضا الدور المفتعل لصلاح معارك ( ماجد المصرى ) ينهيه أيضا بشكل غريب متجاوزا للصراع ومحولا له الى شخص رقيق المشاعر شديد الإنسانية.
المخرج خالد يوسف فى حرصه على إظهار وجوه جديدة فى أعماله أو إعادة تقديم بعض الممثلين الذين أهملهم الآخرون يحاول فى تقديرى صناعة ممثلين معترفين بفضله عليهم وليس اكتشاف مواهبهم الحقيقية، وما صنعة بممثل ذو إمكانيات جيدة كعمرو عبد الجليل والإصرار على تحويله الى مسخ، كل موهبته فى خلط الكلمات واستخدام القافية للمرة الثالثة على التوالى فى افلامه بغرض الإضحاك، هى طريقة مدمرة وتحشره فى مساحة ضيقة وتؤدى فى النهاية للقضاء عليه، وحتى الكلمات القليلة التى قالها بطريقة المثقفين عن الفساد والسرقات لا تنسجم مع الشخصية، ولكن يحمد له إهتمامه بشويكار هذا الكنز المنسى أو المهمل، كذلك بعض الممثلين الجيدين مثل حنان يوسف وإن كان دورها تم إختصاره فى هذا الفيلم الى كومبارس صامت تقريبا.
هناك تناقضا واستخفافا واضحا فى رسم الشخصيات، لا أدرى إن كان السبب فيه هو الورق الذى لم نعرف صاحبه الحقيقى هل هو سيد فؤاد أو عمرو سعد، من فيهما صاحب القصة ومن كتب السيناريو، ليس هذا هو المهم، المهم انه تم تشويه بعض الشخصيات مثل ممثل له امكانيات فنية وجسدية جيدة كرامى غيط (زين كآبة ) بعد دوره الجميل فى دكان شحاتة، وحتى لم يسلم من ذلك الممثل المتألق صبرى فوّاز فى دور صاحب المخبز( المعلم عرابى).
حتى الأغانى المصاحبة للشريط والتى سبق أن أتحفنا بها فى أفلامه السابقة بأصوات متميزة كالفنانة شيرين وأحمد سعد، فلم يكن لأغنية الفيلم أى معنى حقيقى أو توظيف.
يبقى فى النهاية أن أشيد ببعض الممثلين الذين لعبوا أدوارا متميزة كالمتألقة غادة عبد الرازق وماجد المصرى فى دوره الشرفى وحورية فرغلى فى أول أدوارها والتى أدتها بشكل جيد رغم تقديمها للجمهور فى دور قد يحبسها طويلا فى إطاره.
أخيرا أقول للمخرج خالد يوسف أرجو أن لا يكون رصيدك قد نفذ.....ولا تكلمنى شكرا.
ملحوظة:
توجد لى ملاحظة لا أدرى مدى قيمتها وهى استخدام الفيلم للإعلان عن شبكة محمول صراحة هى موبينيل، والصورة لبطل الفيلم ونجيب سويرس التى تم تعليقها فى الفيلم، كما أن اسم الفيلم هو عبارة عن رسالة خطية لنفس الشركة.