Tuesday, February 09, 2010

الصول عبد الجواد


عاش يحلم بها، منذ أن كانت طفلة تنمو أمامه رويدا، ضفيرتيها الملفوفتين بعناية خلف ظهرها، أناملها الرقيقة وهى تقبض على شنطة الكتب تدارى صدرها، ظهرها المستقيم وخطواتها الواسعة بالحذاء الأبيض، تتسل مسرعة من أول الحارة الى باب البيت كأنها تهرب من شيئ يطاردها، تنظر دائما الى نقطة فى الأفق، لا تدير رأسها أبدا فى أى الإتجاهين، وكأنها تمثال من شمع

هو كان ينتظرها بلهفة وشوق، عيناه لا تغيبان عن باب الحارة منتظرا اطلالتها، عيناه تلتقطها من بعيد، تنشرح اساريره وينفصل عن الجميع، يزداد خفق قلبه كلما إقتربت، يكاد نبضه يتوقف حين تمر أمامه، يود لو ثبتت الصورة هكذا، يودعا بنظراته حتى تختفى.

تمر الأيام والشهور وهو على هذا الحال، كل يوم يقرر أن يبدأها بالكلام لكنه يجبن، فى ذلك اليوم استجمع كل شجاعته، تحركت شفتيه بصوت لا يسمعه ملقيا تحية الصباح، تخيل للحظه انها ترد عليه، لاحظ ارتباكها وسرعة خطواتها حتى كادت تتعثر، أحس بالخجل الشديد، لعدة أيام لم يستطع أن يظهر فى حياتها.

إتخذ قرارا، ها هو يعود الى الحارة مرتديا البذة العسكرية، يضع البيريه الكاكى على رأسه، ذقنه حليقة، لحظات انتظارها تطول، قادمة هى من بعيد، لم يصبر حتى تصل، سار فى اتجاهها، ما إن اصبحت فى مرمى حديثة حتى رفع صوته محييا، فاجأه صوته مشروخا أجشّ، سمع ردها واضحا هذه المرة، ابتسامة شاحبة تعلو شفتيها.

لم يطاوعه قلبه ان ينتظر عودة أمه، صعد الى السطح محاولا أن يمد بصره الى شقتهم البعيدة، لا يرى شيئا سوى النور المنبعث من هناك، تخيلها جالسة بجانب امه، تلبس فستانا ابيض، تصور انه سمع صوت زغرودة، ربما كان صوت الرياح الشتوية، قرر النزول والذهاب هناك، وقف أمام البيت فى انتظار أمه، شاهدها تخرج من بيتهم وامها تودعها.

كان الصول "عبد الجواد" مستغرقا فى حكايته بكافة احاسيسه، يحرك يديه فى الهواء ويذداد احتقانا كلما أوغل فى القصة، كان حريصا على ان يذكر جميع التفاصيل، لم يكن ينظر الىّ، كأنما يتحدث الى نفسه، لا يتوقف الا ليشعل سيجارة جديدة، يأخذ نفسا عميقا ويستمر، كلما انتهى من جزء من الحكاية يمد يده ناحيتى بعلبة السجائر، وينظر الى ليتأكد اننى ما زلت اتابع.

عشرة اعوام كاملة مرت على زواجه منها، لم يأت الطفل بعد، لا يعرف للأيام طعما، مشتتا وفى حال من القلق المستمر، يخاف طول الوقت من كل شيئ، تنتابه لحظات بكاء طويلة، يحبها لدرجة العبادة، لا يتخيل لحظة ان يفارقها، هى أيضا تحبه، حريصة طول الوقت على ارضائه، تهتم بكل تفاصيل حياته، تهيئ له كل ما تستطيع، الأيام الثلاثة الأول من الإجازة لا يخرج من البيت، تطعمه بيدها، تسخنّ الماء لحمّامه، تليفّ له ظهره، تكوى البدلة العسكرية، تلمّع الحذاء، تهدهده كى ينام، يصحو من نومه كل يوم فزعا باكيا.

الإجازة اصبحت بالنسبة له عبئا ثقيلا، فى بدايتها يخاف أن ينزل، وعندما تنتهى يخشى أن يعود، آخر يوم توقظه من نومه مبكرا، تحضّر له إفطاره، تقف بين يديه حتى يأكل، تصب له الشاى وتساعده فى إرتداء ملابسه، تقبله وتدعو له بالسلامة، وهو خارج من الباب تقرأ المعوذتين.

يقف على رصيف المحطة ساهما، لا يفكر فى شيئ، لا يشعر بالوقت الذى يمر أو بمن يتزاحمون حوله، لا ينتبه لصوت القطار القادم أو المغادر، الوقت يمضى والتذكرة بين أصابعه، ينتبه أخيرا أنه جائع، ينظر بعينين زائغتين الى ساعة المحطة، مرت جميع القطارات، يسحب أقدامه مجهدا عائدا الى بيته، لا تسأله اين كان ولماذا عاد، تأخذه على كتفها كطفل، تطبطب على ظهره، وتساعده فى خلع ملابسه.

لم تكن علاقتى بالصول عبد الجواد وثيقة الى درجة أن يفتح قلبه ويحكى قصته، كنت حديث التجنيد ووصلت الى الوحدة من وقت قريب، الغالب انه كان يبحث عن شخص يجيد الإستماع ، وكنت أنا هو، كنا نجلس معا على الرمل فى ضوء القمر، كمية الضوء تسمح بالكلام ولكن لا تجعلنى ارى جيدا تعبيرات وجهه، فقط شاهدت ما يشبه الدمعتين تنسابان على خده، حاولت التواصل معه، لكن أحسست أن فى قصته ثمة شيئ ناقص، ضلع غير مكتمل من المربع، حدست ان ذلك الجزء هو الأهم، والذى يمكن أن يحل العقدة.

ألقيت نظرة فاحصة عليه، ربع الجسم، بسمرة اهل الجنوب، شاربيه مقوسان الى الأعلى، وآثار إصابة قديمة على جبهته، يشبه أحد أبطال الأساطير، تذكرت ابوزيد الهلالى فى التغريبه.

نسائم الصباح هلت علينا، بعد صلاة الفجر ذهبت معه الى الكانتين، جلسنا وحدنا متقابلين، الإفطار لا يتغير، جبن مثلثات ومربى، أخذنا أكواب الشاى الساخن معنا الى القشلاق، تمدد على سريره والسيجارة ما زالت بين أصابعة، بدأته بالكلام، كان يرد بعبارات قصيرة متحفظة، بعد كثير معاندة استطعت ان اعرف السر، إنه لا يستطيع.

أحس أنه تورط معى فى الكلام، لاذ بالصمت، ارتدى ملابسه وعدّل من هندامه فى المرآة التى على الحائط، لف سبابته وإبهامه على شاربيه مرتين، بعد أن أكمل لبس البيادة نظر الى وبصوت حاد طلب منى سرعة التحرك كى نلحق طابور الصباح.

بعد الغذاء حاولت التلاطف معه، كان يتعمد الخشونة، حاول ان يشعرنى ببعد المسافة بينى وبينه، صول ومجرد جندى مجند، لم أرغب فى التقليل من شأنه، أو الإيحاء أننى كشفت سرا يقلل من كرامته، كنت حريصا طول الوقت ان ابقى جانبه دون تكلف، بدأت جهامته تلين شيئا فشيئا، بعدها صرنا أصدقاء.

كلما اقترب موعد الإجازة كان يتوتر، ليلتها لم ينم طوال الليل، بكى كثيرا، حاولت التخفيف عنه، سألته ان كان لجأ لطبيب، أجابنى وعينيه تنظران الى السقف انه طرق جميع الأبواب، الأطباء والمشعوذين والزار والمخدرات وكل الطرق، لكنها سدت فى وجهه، فى الصباح حملت معه الشنطة وطلعنا على الطريق، أشار بكلتا يديه من نافذة الباص وهو يغادر.

كنت قلقا عليه كثيرا هذه المرة، أعّد الأيام وأحسب ما تبقى لعودته، فى اليوم المحدد لوصوله لم استطع الإنتظار، ذهبت الى الموقف على امل ان يصل، لكن مخاوفى تحققت، تكرر ذلك فى اليوم التالى والأيام اللاحقة، سألت عنه كل العائدين من اجازاتهم، شعرت بمسئولية تجاهه، قررت البحث عنه.

انسانة طيبة، ريفية أصيلة، لم تتوقف عن البكاء طوال الوقت، أخبرتنى انه كان دائم الشرود طول اجازته، لايأكل الا الكفاف ويدخن بشراهه، فى اليوم الأخير بكى كثيرا، أخذته فى أحضانها وبكت معه، فى الصباح لم يستطع اكمال لبسه، خرج مسرعا بدون وداع، حاولت اللحاق به لكنه كان أسرع।

لم اجد الكثير من الكلمات، حاولت طمأنتها أنه سيعود، كان إحساسى عكس ذلك، وأنه قد ذاب فى الزحام، فى رحلة البحث عنه سمعت قصصا وحكايات كثيرة، البعض قال أنه سافرالى ليبيا، وآخرون قالوا انه ذهب الى البحر الأحمر، ومجند من الأسكندرية أقسم انه شاهده مطلق لحيته ويدور فى حلقات الذكر بمولد ابو العباس.