
Tuesday, February 09, 2010
الصول عبد الجواد

Sunday, January 17, 2010
الحكومة ترقص على إيقاع شباب الفيس بوك
Friday, January 15, 2010
هل وصل الأمر الى "أيام" طه حسين؟

منذ أكثر من ثمانين عاما وبالتحديد فى عام 1929 نشر العميد رائعته "الأيام" وذلك فى أعقاب الضجة التى أثارها كتاب " فى الشعر الجاهلي" مؤثرا الابتعاد عن الموضوعات الحسّاسة فى الدين والهروب الى ماضيه الشخصي، فى أجمل كتب السير الذاتية على الإطلاق، والتي تم تدريسها فى المدارس والجامعات المصرية لأكثر من نصف قرن، بل قررت بعض الدول العربية تدريس الكتاب.
يستهل العميد رائعته بعبارات (لا يذكر لهذا اليوم أسما، ولا يستطيع أن يضعه حيث وضعه الله من الشهر والسنة، بل لا يستطيع أن يذكر من هذا اليوم وقتا بعينه، وإنما يقرب ذلك تقريبا. وأكبر ظنه أن هذا الوقت كان يقع من ذلك الوقت في فجره أو عشائه، يرجح ذلك لأنه يذكر أن وجهه تلقى في ذلك الوقت هواء فيه شيء من البرد الخفيف الذي لم تذهب به حرارة الشمس، ويرجح ذلك لأنه على جهله حقيقة النور والظلمة، يكاد يذكر أنه تلقى حين خرج من البيت نورا هاديا خفيفا لطيفا كأن الظلمة تغشى بعض حواشيه ).
هل يوجد ابلغ من هذا التصوير الفني المبهر لإحساس صبى فاقد البصر بالأشياء، من هذه الصورة؟، لا أعتقد ذلك، بل ان عشرات الأدباء والمفكرين قد كتبوا سيرا ذاتية ولكن ليس بقوة وتأثير صاحبنا، منهم الكاتب الكبير عباس العقاد، فى ترجمته "أنا"، ولكن التى بقيت بيننا خالدة لتفردها هى أيام طه حسين.
ولكن أن يصل بنا التقهقر الثقافى أن يكوّن الوزير الراحل " يسرى الجمل" لجنة من المستشارين بوزارة التربية والتعليم لبحث رفع كتاب الأيام من التدريس لطلاب الثانوية العامة فى مصر بدعوى أن أفكاره تسيء لصورة الأزهر ورموزه، وقال حسن بخيت مستشار اللغة العربية بالوزارة إن القصة تحتوى على بعض الأقوال والسلوكيات التى تسيئ إلى الأزهر ورجاله، بالإضافة إلى أن الإعداد التربوى للقصة لم يكن على المستوى المطلوب، وإن الأمر لا يتجاوز توصية خبراء ومستشارين في الوزارة بوقف تدريس هذه الرواية التي هي سيرة ذاتية لطه حسين بدعوى أنها «تسيء إلى الأزهر وشيوخه». وأضاف في تصريح الى «الحياة»: «هذا الأمر هو من أمور كثيرة سينظر فيها وزير التربية والتعليم أحمد زكي بدر الذي تسلم منصبه أخيراً خلفاً للوزير يسري الجمل الذي لم يقرر أمراً بخصوص التوصية بوقف تدريس «الأيام».
ثم يأتى الوزير الحالى " أحمد زكى بدر" على الهواء فى برنامج البيت بيتك ليقول أنه ليس لديه ما يمنع من إستمرار تدريس الرواية دون حسم واضح للموضوع، من جانبه رفض د.سيد البحراوى رئيس قسم اللغة العربية بآداب القاهرة استبدال أيام طه حسين بأخرى، مؤكدا أنه يندر أن يوجد نص أدبى يؤدى أدبيا ولغويا ونقديا وتربويا ما تؤديه أيام طه حسين. «هذا نص من أصدق ما كتب طه حسين فى سيرته الذاتية، ويتحدث فيه عن مرحلة الطفولة والمراهقة بلغة لطيفة وبسيطة وواضحة تناسب المرحلة العمرية للطلاب الذين يدرسونه، ونص يعبر عن مرحلة مهمة فى حياة وتطور الرواية العربية يقع بين الرواية والسيرة الذاتية»،.
ما هذا الإنهيار الذى وصلنا اليه؟ حتى "الأيام" يريدون أن يحظروها بدعوى أنها تسيئ للأزهر والأزهريين، وكأن ما جاء فى الكتاب من نقد لبعض أوضاع الأزهر منذ ثمانين عاما جريمة لا يمحوها الا الإجهاز على ما تبقى من أدب رفيع لصاحب الأيام وكل ما يمت للتنوير بصلة، ولا ندرى إن كانت هذه المحاولة تأتى بإيعاز من الأزهر أم أن التخلف إستشرى ليصل الى عمق عقول القائمين على تلك الوزارة المنوط بها تربية وتعليم عقول النشأ فى بلادنا، وتلك ثالثة الأسافى.
ليس المجال هو الدفاع عن الكتاب، فكما ذكرت أنه من السير الذاتية لواحد من القامات الشامخة فى حياتنا، لم يتعمد فيها التعرض للأزهر ولكن جاء ذلك عرضا فى جمل قصيرة عن جمود عقول بعض الأزهريين، الأمر الذى دفع به الى ترك الدراسة الدينية فى الأزهر والإلتحاق بالدراسة المدنية فى جامعة القاهرة، وليس كما يشيع البعض أنه تم فصله من الأزهر ولكن الحقيقة أن مشايخ الأزهر إضطهدوه وأسقطوه عمدا فى إمتحان شهادة العالمية مما إضطره الى الهروب منهم.
ربما قد يجدون ضالتهم فى كتاب العميد " فى الشعر الجاهلى"، الذى طبع فى عام 1926، هذا الكتاب الذى صاغه بناءا على مبادئ النزعة العقلانية للفيلسوف " ديكارت" بعد أن عاد من دراسته بفرنسا سنة 1919 مستوعبا لأفكاره التى تتمثل فى اولوية العقل وقدرته الذاتية على إدراك الحقيقة، كما يعنى تفسير المبادئ التى تصدر عنها الأشياء تفسيرا سببيا يقبله العقل.
فى هذا الكتاب خلص أديبنا الى أن ما يسمى بالشعر الجاهلى هو فى معظمه منحول فى القرن الثانى للهجرة، أن ما تقرأه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس في شيء، وإنما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة أو تكلف القصاص أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين".وتعرض فى الكتاب الى بعض قصص القرآن ومنها ما يتصل بشكه في الوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل، ومنها ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه، وقد سبب الكتاب ردود فعل أدت الى مصادرته وسط خصومات سياسية بين حزبى الوفد والأحرار الدستوريين الذى تبنى أفكاره، وقد أدت الاتهامات إلى تقديم طه حسين إلى المحاكمة، عندما تقدم الشيخ حسنين الطالب بالقسم المخصوص بالأزهر ببلاغ لسعادة النائب العمومي يتهم فيه طه حسين بأنه ألف كتابا أسماه في الشعر الجاهلي ونشره على الجمهور، ويؤكد "أن في هذا الكتاب طعنا صريحا في القرآن، حيث نسب المؤلف الخرافة والكذب لهذا الكتاب السماوي الكريم".
ويتحرك شيخ الأزهر فيرسل، بدوره بلاغا إلى النائب العام في أوائل يونيو سنة 1926 وتقريرا من علماء الجامع الأزهر عن طعن طه حسين بكتابه في القرآن والنبي. ويتقدم أحد أعضاء مجلس النواب ببلاغ هو الاخر يتهم فيه طه حسين بالتعدي على الإسلام، ويقول زعيم الوفد "سعد زغلول" قولته الشهيرة (ماذا علينا إذا لم يفهم البقر")، يقصد بذلك طه حسين.
وفى وسط هذه الحمى تم مصادرة الكتاب وتحويل العميد الى النائب العام، ولكن رئيس نيابة مصر محمد نور الذى أصدر قرارا تاريخيا بحق الكتاب والمؤلف جاء فيه "إن للمؤلف فضلاً لا ينكر في سلوكه طريقا جديدا للبحث حذا هذا فيه حذو العلماء من الغربيين، ولكنه لشدة تأثره بما أخذ عنهم قد تورط في بحثه حتى تخيل حقا ما ليس بحق أو ما لايزال في حاجة إلى إثبات أنه حق. إنه قد سلك طريقا مظلما فكان يجب عليه أن يسير على مهل وأن يحتاط في سيره حتى لا يضل، ولكنه أقدم بغير احتياط فكانت النتيجة غير محمودة. وحيث إنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين، بل إن العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواضع من كتابه إنما قد أوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها، وحيث إنه من ذلك يكون القصد الجنائي غير متوفر، فلذلك تحفظ الأوراق إداريا".
هكذا طويت صفحة الأزمة، ولكن العميد أصبح أكثر حذرا فيما يكتب، حيث أعاد طبع الكتاب بعد حذف العبارات محل الشك منه باسم جديد هو "فى الأدب الجاهلى" عام 1927، ولكنه أسهب فى التدليل على وجهة نظره فى الأمور التى لم يختلف عليها.
هذه نقرة، ولكن كتاب الأيام نقرة أخرى، فالكتاب ليس فيه طعنا لأحد، ولا تماس مع الدين فى شيئ، قرأناه كأطفال ودرسناه فتيانا دون أن يسترعى إنتباه أحد أى خروج عن المؤلوف أو تجاوز فيه، ولكنه الفكر السلفى العقيم الذى أصبح يسيطر على حياتنا، بمواقفه المعادية للحرية الفكرية وحقوق الإنسان وكل شيئ، وكأننا نعود القهقرى الى أحلك عصور التخلف والإنحطاط ونحن فى القرن الحادى والعشرين.
هكذا كانت مصر فى الثلث الأول من القرن العشرين، ليبرالية متفتحة تقبل الرأى والرأى الآخر دون حساسية أو تعصب فى حماية دستور 1923، أيام كان " إسماعيل مظهر" ينشر كتاب ( لماذا أنا ملحد) ليرد عليه آخر بكتاب ( لماذا أنا مسلم )، وأيام كان المجتمع يسمح لجميع الأزهار أن تتفتح وجميع المدارس الفكرية أن تتصارع، وهذا حالها الآن لا تتحمل عمل مثل الأيام.
فى الختام يحضرنى بيتا من الشعر قاله رائد التنوير الدينى الإمام "محمد عبدة" فى مواجهة العقول المتحجرة التى تحارب الحرية:
ولكنه دين أردت صلاحه.........أحاذر أن تقضى عليه العمائم
ودمتم
Thursday, December 31, 2009
أقـزام طـوال

رأسًنا ضاع فلم نحزن ..
ولكنّا غرقنا في الجدال
عند فقدان النعال!
لا تلوموا
" نصف شبر" عن صراط الصف مال
فعلى آثاره يلهث أقزام طوال
كلهم في ساعة الشدّة .. ( آباءُ ر غال!
لا تلوموه
فكل الصف أمسى خارج الصف
وكل العنتريات قصور من رمال.
لا تلوموه
فما كان فدائياً .. بإحراج الإذاعات
وما باع الخيال .. في دكاكين النضال
هو منذ البدء ألقى نجمة فوق الهلال
ومن الخير استقال
هو إبليس فلا تندهشوا
لو أن إبليس تمادى في الضلال
نحن بالدهشة أولى من سوانا
فدمانا
صبغت راية فرعون
وموسى فلق البحر بأشلاء العيال
ولدى فرعون قد حط الرحال
ثم ألقى الآية الكبرى
يداً بيضاء.. من ذُلِّ السؤالْ!
أفلح السحر
فها نحن بيافا نزرع "القات"
ومن صنعاء نجني البرتقال!
* * *
أيها الناس
لماذا نهدر الأنفاس في قيلٍ وقالْ؟
نحن في أوطاننا أسرى على أية حال
يستوي الكبش لدينا والغزال
فبلاد العرب قد كانت وحتى اليوم هذا لا تزال
تحت نير الاحتلال
من حدود المسجد الأقصى .. إلى )البيت الحلال(!
* * *
لا تنادوا رجلاً فالكل أشباه رجال
وحواةٌ أتقنوا الرقص على شتى الحبالْ.
و يمينيون .. أصحاب شمالْ
يتبارون بفنِّ الاحتيالْ
كلهم سوف يقولون له : بعداً
ولكن .. بعد أن يبرد فينا الانفعال
سيقولون: تعال
وكفى الله "السلاطين" القتال!
إنّني لا أعلم الغيب
ولكن .. صدّقوني :
ذلك الطربوش .. من ذاك العقال
Friday, December 18, 2009
اليه فى يوم ذكراه ....... زكى مراد...فارس ليس من هذا الزمان

الشاعرة هدى توفيق
فى مثل هذا اليوم منذ ثلاثين عاما رحل عن عالمنا فارس نبيل قلّ أن يجود الزمان بمثله، هو المناضل والشاعر الثورى إبن النوبة "زكى مراد"، تاركا ورائه إرثا نضاليا من العمل الثورى فى حياته القصيرة الملتهبة عشقا وذوبانا فى هذا الوطن.
هو إبن قرية إبريم ببلاد النوبه القديمة التى أخرجت عشرات المناضلين والثوّأر، ولد فى الأول من شهر سبتمبر لعام 1927، إبن عمدة هذه القرية " محمد ابراهيم أحمد" الذى أطلق على إبنه إسما مركّبا "زكى مراد" تيمنا بسميه الملحن والمطرب اليهودى والد الفنانة "ليلى مراد" والذى كان يعشقه.
غادر القرية صغيرا وعمره 15 عاما ليلتحق بالدراسة فى مدرسة حلوان الثانوية بالقاهرة، وليقيم فى حجرة فى أرض شريف مع إبن عمه والروائى محمد خليل قاسم صاحب الشمندورة، حيث كانت الحرب العالمية الثانية فى نهاياتها 1943 وكانت مصر فى أتون صراعها ضد المحتل الإنجليزى والقصر الملكى والطبقات المستغلة، ليتفتح وعيه الثورى سريعا، وينضم لحركة الطلاب عام 1946 فى بداية إلتحاقة بكلية الحقوق جامعة فؤاد الأول (القاهرة لاحقا ).
شارك فى اللجنة الوطنية للطلبة والعمال التى قادت الحركة الوطنية رافعا شعار الحرية والخبز، ليتم إعتقاله للمرة الأولى عام 1946 بسبب عضويته فى تلك اللجنة، وفى نفس العام يعاد إعتقاله مرّة ثانية بتهمة مناهضة السلطة الملكية، ليعرف طريق السجن والإعتقالات طوال حياته.
فى المرة الثالثة تم إعتقاله عام 1949 بتهمة الإنضمام لتنظيم شيوعى حيث إنضم لمنظمة حدتو(الحركة الديوقراطية للتحرر الوطنى)، وكانت بمثابة أكبر المنظمات الماركسية فى ذلك الوقت وأكثرها فاعلية، كما كان الفقيد نشطا أيضا فى منظمة حستو (الحركة السودانية للتحرر الوطنى) حيث شارك فى تأسيسها مع كثير من الرفاق السودانيين أمثال "عبد الخالق محجوب" و"الشفيع أحمد الشيخ".
أما حبسته الكبرى فقد إمتدت من العام 1953 ولم تنتهى الآّ بعد 11 عاما، مع خروج الشيوعيون من معتقل الواحات قبيل زيارة الزعيم السوفيتى "نيكيتا خروشوف" لمصر عام 1964، تلك الحبسة الطويلة التى كانت عقابا له على موقفه من النظام الناصرى الدكتاتورى، والتى شهدت أبشع أنواع التعذيب للشيوعيين ليسقط منهم العديد من الشهداء أمثال شهدى عطية ولويس إسحق وسليم حداد وغيرهم، كما تكرر إعتقاله أكثر من مرة إبان حكم الرئيس السادات بتهم عديدة منها محاولة قلب نظام الحكم ورفض اتفاقية كامب دافيد والصلح مع اسرائيل.
فى نظرى أن أهم ما قام به المناضل الثورى زكى مراد هو إعادة تأسيسه مع مجموعة من رفاقه وعلى رأسهم الراحل نبيل الهلالى للحزب الشيوعى المصرى فى الأول من مايو (أيار) عام 1975 حيث تبوأ منصب السكرتير العام للحزب حتى وفاته.
إلتقيت الشهيد لأول مرة فى النادى السودانى بالأسكندرية حوالى العام 1973، حيث أقيمت ندوة حول العلاقات المصرية السودانية، يومها القى محاضرة ثرية تعرض فيها لتاريخ العلاقات النضالية بين الشعبين، ذاكرا أن فى أربعينيات القرن كانت البرجوازية المصرية ترفع شعار وحدة وادى النيل تحت التاج الملكى و كان الشيوعيون يرفعون شعار النضال المشترك ضد العدو المشترك.بعد ذلك بحوالى عامين تعرفت به شخصيا فى بيت المناضلة شاهندة مقلد بالإبراهيمية حيث كان يقيم بالأسكندرية صيفا مع أسرته فى شقة صغيرة بكامب شيزار، والتقيت فيما بعد مع زوجته ورفيقة نضاله وكاتمة أسراره المناضلة فتحية سيد أحمد إبنة خالته وأم أولاده، وعلى الطفلين صفاء وصلاح.
كان مليح الوجه، بشوشا دائم الإبتسام، لكنه حين يغضب من أجل القضية كان يظهر ذلك على كامل وجهه، ودودا يدخل الى القلب سريعا، يتباسط فى الحديث فى تواضع أصيل، صبورا وذو نَفَس طويل فى المناقشة، خاصة مع الشباب الصغير السن والتجربة، حيث كان يتناقش معنا لساعات دون كلل، مظهرا فهما عميقا للنظرية.
كانت رحلته مع العمل بالمحاماة قصيرة، لكنه تألق كثيرا مع صديق عمره نبيل الهلالى دفاعا عن الطلبة والعمال والسياسين بمختلف مشاربهم، وظل بيته فى المنيرة قبلة للجميع، لايتأخر عن أى محتاج أو مظلوم، يقيم الحفلات ليغنى فيها الشيخ إمام ومحمد حمام والسودانى محمد وردى، حتى محمد منير عرف طريقه الى الشهرة من هذا البيت المتواضع الذى لم يغيره طول حياته القصيرة التى إنقسمت بين أبريم والمنيرة.
كان شاعرا حماسيا، قال الشعر فى مناسبات كثيرة، منها وفاة القائد "يوسف صديق" عضو حديتو وبطل الإستيلاء على مقر هيئة الأركان ليلة الثورة، قال فيها:
“ما اعتاد جنودك أن تسكت حين ينادون ….
ما اعتاد رفاقك أن تسكت عما يرجون ….
أتشيح بوجهك عنهم؟
أو ترحل في وقت لايقطعه إلا أبطالٌ مثلك؟“
الرحيل:
لست ممن يؤمنون بنظرية المؤامرة، وإن كانت المؤامرات موجودة فى كل زمان ومكان، ليلة الرحيل على ما أذكر إلتقى بنا فى شقة أم ناجى ( شاهندة)، وكان الجو ليلتها عاصفا جدا، ذكر لنا أنه مضطر للسفر فجرا الى القاهرة لموعد هام، سأل إن كان أحدنا يرغب فى السفر معه كرفيق طريق، كانت معه سيارة جديدة تغرى بالسرعة، ألححنا عليه أن يؤجل سفره لأن الجو عاصف والطريق خطرة فرفض، حاولنا كثيرا إثناءه لكنه أصّر، لم أره بعدها، حوالى العاشرة صباحاعلمنا بالحادث، كانت جنازته مهيبة من جامع عمر مكرم، كل القوى السياسية شاركت، لأول مرة يهتف المشيعون بحياة الحزب الشيوعى ووحدة الشيوعيون، نجح الشهيد فى تجميع القوى الوطنية كأروع ما يكون فى الجنازة، وستبقى ذكراه نبراسا ينير لنا الطريق، وحافزا للتوحد.
من قصيدة أحمد فؤاد نجم فى رثائه:
حصنت بعقدك صدر الناس
Sunday, December 06, 2009
شخصيات من السجن

بدأ رحلته فى سن مبكر، حدد منطقته ترام الرمل، أيام الخواجات، كان الترام تحفة فنية بدرجتيه الأولى والثانية، قبله بزمن كانت عربات سويرس التى ينطقها العامة سوارس ، تمشى على عجلات وتجرها الخيول، بعد دخول الكهرباء تم تشغيل الترام ويتصل بأسلاك الكهرباء عن طريق عصا معلقة فى السقف تسمى سنجة، كان ترام الرمل متميزا، يبدأ من محطة الرمل وينتهى عند محطة فيكتوريا، حيث المدرسة العريقة فيكتوريا كوليج.
إلتقيته فى السجن وهو فى عمر متقدم، ربما تجاوز السبعين، كان يحفظ أغانى أم كلثوم ظهرا عن قلب، يملك أذنا موسيقية وصوتا رخيما، كان يستمتع كثيرا أن نطلب منه أغنية معينة لها، يستخدم أى شيئ ممكن لعمل إيقاع بيديه، وينساب صوته الجميل ليشجينا، كنا نتجاوز بعض الأخطاء فى النطق، هكذا إلتقطتها أذناه، لكنه لا ينشّز أبدا.
بين وصلات الغناء حكى لى قصته، ولد يتيما، رباه عمع الذى تزوج أمه، كان قاسيا عليه، ترك البيت مبكرا وانطلق الى معترك الحياة وحيدا، إلتقطه عالم الإجرام، عانى من قسوة المجتمع عليه، ومن ظروف الحياة القاسية، لم تتح له فرصة تعلم القراءة والكتابة، عمل بالمثل القائل" إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب"، تعلم النشل فى وسائل المواصلات الى أن إستقر به المقام فى ترام الرمل.
يروى لى قصة عن أحد الخوجات ركب وراءه الدرجة الأولى فى الترام، كانت محفظته عامرة، شاهدها بنفسة أثناء دفعه لثمن التذكرة، كان الخواجة حريصا، دسّ المحفظة فى جيبه ووضع يده عليها، لم يجد طريقة للوصول اليها، لاحظ ركوب زميل له فى المهنة، تبادل معه بعض العبارات الهامسة بلغة غير مفهومة الاّ لهم، تدخّل زميله وأسقط القبعة من رأس الخواجة، فى لحظة كانت المحفظة فى يده.
كسب أموالا كثيرة أنفقها جميعا، عرف طريق الكباريهات وتعرف على معظم الراقصات بها، عاش حياته بالعرض، لايعرف متى أحب صوت أم كلثوم، لكنه تعلق بها، لم يفوّت حفلة شهرية لها فى سينما الهمبرا، كان يتعمد الجلوس فى الصفوف الأولى، يحاول أن يلفت نظرها فى كل حفلة، كان يتمنى أن يتعرف عليها، حسب روايته إقترب منها بعد الوصلة الأولى وفى يده باقة ورد، أثناء إنشغالها بأخذ الورد منه نشل البروش الماس من على صدرها، فى نهاية الحفل ردّه اليها، وكان أن عرفته.
يذكر أنه كان مطلوبا دائما، فى إحدى الحفلات وبعد أن فتح الستار، أم كلثوم جالسة على الكرسى فى وسط المسرح، والفرقة الموسيقية تبدأ العزف، كان جالسا فى الصف الثانى، من آخر الصالة دخل ضابط مباحث، سار فى الممر الطويل دون أن يحدث جلبة، حتى وصل الصف الثانى، وضع يده على كتفه وأشار اليه أن يتبعه، تجاهله فى المرّة الأولى والثانية، فى الثالثة تعمد رفع صوته ناظرا الى أم كلثوم، أشارت للفرقة أن تتوقف عن العزف، وقفت لتسأل الضابط ماذا يريد، برد مهذب أفهمها أن هذا الشخص مطلوب للبوليس، أشارت بيدها بطريقة حازمة الى الضابط قائلة: إتفضل يا فندى محدّش يدخل حفلتى بالطريقة دىمهما كان السبب، إضطّر الضابط للخروج ولكن الى حين، بين الوصلتين خرج من باب جانبى، إعتلى سور السينما، هبط فى الشارع الخلفى، وجد موتوسكل واقفا، أسرع بالهروب.
تعودت على اللقاء به والعطف عليه، عرفت أنه تصله مساعدة شهرية من أم كلثوم، أعلن عن الإفراج عن مجموعة بمناسبة المولد النبوى وكان إسمه بينهم، لم يبد اى شعور بالفرح بل كان حزينا، شاهدته يومها يبكى بحرقة، لا يدرى أين يذهب بعد الخروج، ليس له أحد بالخارج، ليلتها عنبر له المسجونون تحية حب (بعد مساء الخير على غفر الليل..واحد يا ورد..اتنين يا فل... تلاتة يا ياسمين... اربعة يا أحسن ناس معلمين...أحب أعرفكم يا إخوانى إن عم محمد شعبان طالع بكرة إفراج...عاوزين تقولوله أيه...)، نداءات التحية توالت من الزنازين، غنى لنا حتى الصباح بصوت حزين، لكنه أطربنا.
Friday, November 13, 2009
دموع أم
حدث هذا فى نهاية العقد السابع من القرن الماضى، أى منذ حوالى الثلاثون عاما، كنت وقتها فى مرحلة التكليف بعد التخرج من كلية الطب وقضاء سنة الإمتياز (التدريب)، كلفت بالعمل فى إحدى قرى محافظة المنوفية " التى يوجد بها وحدة صحية ريفية، حيث كنت بالطبع الطبيب الوحيد بها، ومعى مجموعة من العاملين، ثلاث ممرضات، ثلاث تومرجيات، فنى مختبر واثنين من الفراشين.فى الأيام الأولى لتوزيعنا على المحافظة، تم تدريبنا سريعا على التعامل مع الحالات الطارئة، كما تم تعريفنا بشكل أكثر تفصيلا على كيفية التعامل مع الموتى، حيث قام الدكتور "سعيد" وكيل المديرية بنفسه بتعليمنا كيفية الكشف على الجثة، والتسجيل فى دفتر الثلاث خانات ودفتر الجرافيك، وإصدار التصريح بالدفن وكتابة شهادة الوفاة.منذ اليوم الأول لإستلام العمل بالوحدة الصحية بدأت عملية ترويضى من قبل العاملين بها، وتعليمى كيفية الإحتيال على القانون، إبتداءا من التزويغ من العمل، مرورا بالكشف الخصوصى، وليس إنتهاءا بتسوية المستهلك من الأدوية، وإكتشفت من خلال هذه العمليات كيف أن هذا النوع من العمل بكل شروطه ومتطلباته غول حقيقى لا يرحم، فإما ترضخ لقوانينه، وإما تعرّض نفسك وحياتك للخطر، وبمنتهى البساطة قد تجد نفسك فى السجن.
وكان لعلاقتى الوثيقة بعم "عبد الرحمن" فرّاش الوحدة أثر كبير فى تعليمى أسرار العمل، وفى تجنيبى إن لم يكن حمايتى من الوقوع فى كثير من الأخطاء القاتلة، كان هذا الرجل بنظارته السميكة، وطاقيته المزّهرة بصفة مستمرة، وجلابيته الإفرنجى البيضاء، ووجهه البشوش المبتسم ، يعطيك دائما الإحساس بالثقة والطمأنينة.
فى تلك الأيام إستطعت أن أقيم علاقات حقيقية مع كثير من أهل القرية البسطاء، الذين ساعدونى بشكل حقيقى على تحمل هذه الحياة، خصوصا واننى كنت فى هذه الأيام حديث الزواج، وكنت أقيم بالأسكندرية، حيث زوجتى وأصدقائى وحياتى الثقافية والسياسية، غير أن الذى كان يقنن علاقتى بأهل القرية فى الحقيقة كان عم "عبد الرحمن"، على الأقل بحكم معرفته الطويلة بهم، خاصة أنه كان يعمل حلاق صحة للقرية قبل تعيينه فى الوحدة الصحية، هذا الحلاّق الذى يقوم بختان الأطفال، وإعطاء الحقن، وتطبيب الجروح، وعلاج الأمراض البسيطة، فيما يرقى الى ما يقوم به طبيب تلك الأيام.
بسرعة أصبح هذا الرجل مستشارى الأول ومصدر ثقتى وخاصة فيما يتعلق بعلاقتى بالآخرين، هو الذى يشير على بكيفية التصرف فى معظم المشاكل وكيف أنظم "دفتر الأحوال" حتى لا أقع فى أخطاء قانونية، وحتى حالات الوفاة التى تحدث بالقرية كان هو الذى يحدد لى من هى الحالة التى أذهب للكشف عليها ومعاينتها فقد تكون بها شبهة ما، وتلك المعروفة التى لا تحتاج الى معاينة.
فى أحد الأيام وفى حوالى الساعة الثالثة عصرا وبينما كنت أستعد لركوب الأتوبيس المحلى ذاهبا الى الأسكندرية، طرق اذنى صيحات نسائية حادة (صوات)، وهذه الأصوات فى الغالب تعنى حدوث وفاة، تماما كم تعنى الزغاريد حدوث زواج، مما دعانى الى التريّث والعدول عن ركوب الباص، والعودة أدراجى الى الوحدة الصحية، حيث التقانى عم "عبد الرحمن" بهدوئه المعتاد، وأخبرنى أن المتوفى شاب يتيم فى مقتبل العمر، وأنه من الضرورى أن أعاين الجثة.
ذهبت الى الإستراحة فى إنتظار إستدعائى، وبعد قليل حضر غفير من الدوار ومعه فلاح من أقرباء المتوفى ليطلبا منى "تصريح دفن"، واستعجلانى حتى يمكن الدفن فى نور النهار، أخبرتهما اننى سأقوم بإرتداء ملابسى واللحاق بهم، بسرعة كان عم "عبد الرحمن" معى فى طريقنا الى بيت المتوفى، طوال الطريق لم نتبادل أى حديث.
كان المنزل عبارة عن بيت طينى متهالك، أسرع الحشد فى توسيع مكان لمرورى الى الداخل، أجلّسونى فى الحجرة الخارجية (المندرة) على كرسى خيزران قديم وقذر، بينما جلس الجميع على الأرض، أسرع أحدهم فى إحضار الشاى، بينما صمّم الكثيرون أن آخذ منهم سجائر، تملكنى إحساس داخلى أن هناك شيئ يتم تدبيره، خاصة عندما لمحت من فتحة الباب وعبر الفناء الداخلى أنهم ينقلون الجثة من غرفة الى أخرى.
كان فكرى مشغولا بمسألة السفر الى الأسكندرية، لذا كان الوقت يمر ثقيلا، بدأ الفلاحين يهمهمون بأحاديث جانبية عرفت أنها رسائل موجهه الى، المرحوم استراح من الدنيا والمرض، داخ على الأطبا، مسكينة أمه صرفت عليه اللى وراها واللى قدامها، ويتكرر هذا الكلام كإسطوانة مشروخة، أحسست بالضيق والملل، فصحت بصوت حاسم : هى أيه الحكاية، إنتوا جايبينى أقعد أتسامر معاكو والا أيه، حاول أحدهم بلؤم أن يثنينى عن عملية الكشف على الجثة، بحجة أن المرحوم كان مريضا، ومافيش داعى لتعبى.
حسمت الأمر بالنهوض واقفا والتوجه مباشرة الى الغرفة التى بها الجثة، إستحضرت من الذاكرة كل التعليمات التى علموها لنا، يجب ان يكون الضوء داخل الغرفة ساطعا، لا تسمح لأحد بالتواجد معك أثناء الكشف الاّ شخص واحد، إمرأة إذا كانت المتوفاة أنثى، وذكرا إذا كان رجلا، إحرص على أن تجرد الجثة من جميع الملابس ودقق فى كل جزأ منها، وإستحضرت كل خبرتى وما درسته فى هذا الشأن.
بعد تجريدى للجثة من الأسمال التى فوقها، ظهر لى لون الجسد وقد إكتسى زرقة لا تخطؤها عين، إذن هو السم ولا شيئ غيره، تعمدت الا يبدو على وجهى أى إنطباع، مددت يدى لأعيد الغطاء على الجسد المسجى، وأسرعت الخطى خارجا من باب الدار، وفى أعقابى عم"عبد الرحمن"، وسرعان ما لحقنى من كانوا فى المندرة ،أحاطوا بى متسائلين:- هو فيه أيه يا دكتور، ليه ماكتبتش تصريح الدفن، تعللت بأننى نسيت الدفتر فى الوحدة الصحية، وطلبت منهم أن يرسلوا أحدا لأخذه منى هناك، وواصلت سيرى مسرعا.
فى الطريق حكيت شكوكى لعم عبد الرحمن، لم يعلق وأيّدنى فى موقفى، ما إن عبرت الجسر المؤدى الى الوحدة حتى كان شاب صغير ينتظرنى عند البوابة على عجلة، عرفت أنه حضر لإستلام التصريح، دخلت الى مكتبى وهذا الشاب فى أعقابى، ما إن جلست على الكرسى وأحسست بالأمان حتى صحت فيه، موجها السباب لكل هؤلاء الفلاحين الملاعين الذين يريدون توريطى، وأننى سوف أبلغ النيابة والطبيب الشرعى للتحقيق فى حادثة القتل.
كنت أرغب فى إيصال هذه المعلومة للجميع، فى إنتظار ردود الأفعال قبل إتخاذ قرار التبليغ، كان قرارى نهائيا ولكنى كنت فى حاجة فقط لتفسيره للآخرين الذين أعيش بينهم، وتجمعنى بالكثير منهم صداقات عميقة،،، ولم يطل إنتظارى طويلا.
سرعان ما أبلغنى عم عبد الرحمن أن العمدة ومعه مجموعة كبيرة من الأعيان يقفون على البوابة حتى أأذن لهم بالدخول، أسرعت خارجا لأفتح لهم بنفسى مرحبا بهم فى السكن المخصص لى، وما أن جلسوا حتى بادر العمدة بالحديث معتذرا لى عما حدث، وأنه لم يكن مقصودا، القصة أن هذا الشاب التعيس كان يعمل باليومية فى مقاومة دودة القطن، وأنه بعد الإنتهاء من مرحلة المقاومة اليدوية يتم بدء المقاومة الكيمائية بالمبيدات، وكان الفقيد يقوم برش المبيد، ودخلت كمية منه بطريق الخطأ الى فمه، ورغم المحاولات التى أجريت لإنقاذه عن طريق تقييأه وشربه للبن الاّ أن قدر الله كان أسرع.
وإستمر العمدة فى الحديث دون أن أقاطعه، معتبرا أن ما حدث قضاء وقدر، وأن الولد غلبان ويتيم، وأنه إذا جرى تحقيق من قبل المسؤولين سيجازى أناس أبرياء مثل مهندس الجمعية الزراعية، وخولى الأنفار وآخرين، وبعد إنتهاء العمدة من حديثه تكلمت، قلت أنه كان يجب مصارحتى بالحقيقة منذ البداية دون محاولة خداعى، وأن مثل هذه الموضوعات لا يمكن عدم الإبلاغ عنها لأنها قد تسبب ضررا لا يمكن تعويضه بالنسبة لوضعى ومستقبلى الوظيفى، وانتهى اللقاء بعدم الإتفاق لكن إحتفظ كل طرف بإحترام الطرف الآخر.
بعد أن ودعتهم الى البوابة كما إستقبلتهم، وبينما أستدير عائدا فى الظلام، لمحت كتلة سوداء تتحرك ببطأ نحو البوابة، تبينت فيها إمرأة عجوزا، تمهلت قليلا وعدت أدراجى لأعرف ما الخبر، مدّت يدها من خلال الباب لتقبض على يدى بقوة، بوجه مغضّن وعينين غائرتين نظرت الى، وبصوت واهن مرتعش بدأت الكلام، أنا يابنى أم المرحوم، من يوم ما مات أبوه وهو حتة لحمة حمرا لم يبق لى فى الحياة غيرة، تصدق اننى كنت حتى الآن أقوم بتحميمه وتلبيسه، ولا ينام الاّ فى حضنى رغم أنه أصبح رجلا، أرجوك يابنى، أبوس إيديك مش عاوزة ابنى يتشرّح.
وبقوة لا أعرف من أين أتتها جذبت يدى بعنف لتقبلها، أحسست بدموعها على ظهر كفى، لم أستطع المقاومة، مسحت دموعى بظهر يدى لتختلط بدموعها فى مشهد درامي شديد القسوة، وشعرت بصعوبة بالغة، وعجز كامل عن اتخاذ موقف.
تركتها عند الباب وأسرعت لألحق بعم عبد الرحمن فى الداخل ليحل لى هذه المعضلة، شرحت له اننى لا أريد التبليغ لكننى أخشى العاقبة، صمت طويلا ثم رفع رأسه قائلا:- خلاص خلاص يا دكتور ولا يهمك، خليهم يدفنوا من غير تصريح، ولا كأنك عرفت خبر، حدّها أيه إذا إنكشف الموضوع فى أى يوم، يدفعواغرامة دفن بدون تصريح.
Wednesday, November 11, 2009
لماذا تطالب الحكومة المصرية بعودة الآثار المسروقة ولا تطالب بعودة رفات عبد الله النديم ؟
يا لولا دقة إيديكى ما انطرَق بابى
طول عمرى عارى البدن.. وإنتى جلبابى
ياللى سهرتى الليالى يونّسِك صوتى
متونِّسة بحسّ مين يا مصر فى غيابى؟
أدباتى أراجوز نديم أهلى وخلانى
زجّال مهرِّج مركّب صوتى فى لسانى
وصحيت لقيتنى اعرفك وإنتى عارفانى
جرّانى من موكب الضايعين وحطانى
على أعلى منبر يهزِّك صوتى ولسانى
ياللى فطمتى النديم ردّيه صغير السنّ
بسكّت الجرح يسكت ينطق التانى
الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى
■ ■ ■
أثارت وزارتى الثقافة والخارجية المصريتين جلبة واسعة حول ضرورة اعادة بعض الآثار التى تم سرقتها من قبل بعض لصوص الآثار والتى تم عرضها بمتحف اللوفر فى باريس، وصرح زاهى حواس الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار بوقف التعاون مع متحف اللوفر حتى عودة الآثار المسروقة، ووقف اعمال بعثة اللوفر فى مصر، وصدر بيان عن متحف اللوفر يعلن فيه أنه بصدد اعادة هذه الآثار।
إن قصة سرقة الآثار المصرية قديمة ومكررة، منذ زمن عهود الفراعنة وحتى الآن، وقصص لصوص المقابر قديمة قدم الفراعنة، ولكن الطريف هو اهتمام الفاتحين العرب بالإستيلاء على ما تحتويه هذه المقابر الفرعونية، ومنها اصدار عمرو بن العاص اول والى على مصر فى عهد عمر بن الخطاب مرسوما بمعاقبة اى مصرى يخفى كنزا أو "خبيئة" مما توجد فى باطن الأرض، وتسليمها له، بل الأطرف ما قام به الخليفة المأمون بن هارون الرشيد على الرغم من عظم ثراء الدولة العباسية فى هذا الزمن، من استقدام عمال مدربين لإحداث فتحة فى هرم خوفو بقصد الحصول على كنوز الفرعون الموجودة به، هذه الفتحة التى ما تزال توجد وتستخدم حتى الآن باسم فتحة المأمون.
ولكن النهب الأكبر والمنظم تم فى القرن التاسع عشر، وخاصة بعد صدور كتاب "وصف مصر" بواسطة علماء الحملة الفرنسية، حيث بدأ اهتمام الغرب المكثف بالآثار المصرية، وبدأ المغامرون والأفاقون والتجار فى أكبر عملية نهب منظم لهذه الآثار تحت سمع وبصر الحكومات المتعاقبة منذ حكم محمد على وحتى الآن، ويجادل البعض بأن بقاء هذه الآثار فى متاحف العالم المختلفة مفيد من حيث أن الملايين يشاهدونها ليدركوا أهمية هذه الآثار وعظمة وتفوق تاريخنا الغابر وأنها أفضل وسيلة لجذب السائحين لزيارة مصر، ولكن هذا لا ينفى أهمية العمل على إسترداد هذه التحف الأثرية الى بلادنا للعرض فى متاحفها الأصلية ويمكن عرض نماذج منها بشكل منظم فى مختلف البلدان، ولعل وجود المسلات المصرية شامخة فى أهم العواصم العالمية دليلا على هذه العظمة، وعلينا العمل بإستمرار على إعادة هذه الآثار الى مصر وعلى رأسها رأس نفرتيتى المعروضة فى متحف برلين وحجر رشيد القابع فى متحف لندن.
هذه القضية بالرغم من أهميتها لا تنفى قضية أخرى مهمة وهى السعى لحث الحكومة المصرية على المطالبة بعودة رفات النديم ليدفن فى أرض مصر مسقط رأسه والتى أفنى عمره دفاعا عنها وفى سبيل تحررها ونهضتها.
ولد عبد الله النديم بقرية الطيبة بمحافظة الشرقية عام 1845 وتربى وترعرع بمدينة الأسكندرية التى إنتقل اليها والده للعمل بترسانتها حيث كان يعمل نجارا، وقد لمح ابوه فيه علامات النبوغ فألحقه بمسجد ابراهيم بالأسكندرية ليتلقى العلوم الدينية ولكن اهتمام الفتى بالأدب جعله يتجه الى كتابة الشعر والزجل واهمال الدراسة الدينية ليتحول بعدها الى دراسة التلغراف هذا الوافد الجديد وذلك ليكتسب صنعة يتعيش منها، ثم عمل فترة فى مكتب للتلغراف بمدينة بنها بعدها انتقل للعمل فى قصر الوالدة باشا أم الخديوى إسماعيل، حيث اعطاه وجوده فى القاهرة الفرصة ليتعرف برجالات الأدب والفن والثقافة ولكن روحه المتمردة على الوظيفة سرعان ما أدت به الى الإصطدام بالرجل القوى فى القصر "خليل أغا" و أدى ذلك الى فصله من وظيفته، فيذهب الى المنصورة ليعمل فى التجارة، ولا يستقر بها طويلا حيث يتنقل بين عدة مدن فى الدلتا ليستقر به المقام أخيرا بالأسكندرية مرة أخرى فى عام1876 إبان صعود الحركة الوطنية لينخرط فى أتونها وينضم الى منظمة وطنية سرية متطرفة عرفت بإسم "مصر الفتاة" تطرح مشروعا للإصلاح الوطنى والدستورى، وينشط فى الكتابة فى الصحف التى بدأت فى الإنتشار فى عهد الخديوى إسماعيل داعيا الى تحرير الارادة المصرية من ربقة النفوذ الأجنبى، ويشارك فى تأسيس "الجمعية الخيرية الإسلامية" ويتولى إدارة مدرستها بالأسكندرية وينشأ حركة مسرحية بالمدرسة ويقوم بتأليف وعرض العديد من المسرحيات منها مسرحيته "الوطن" ويساهم فى تأسيس الحزب الوطنى الذى سيقود حركة الكفاح المصرية خلال العقود المقبلة.
وفى صيف سنة 1881 أصدر الرجل صحيفة أسبوعية أسماها " التتكيت والتبكيت " انتهجت خطا وطنياً واضحاً وأسلوباً أدبياً ساخراً وكان عبدالله النديم مهموماً فى صحفيته بقضية وحدة الوطن واستنهاض همة أبناءه للارتفاع بشأن البلاد وقد تواكب صدور الصحيفة مع أحداث الثورة العرابية فكان من الطبيعى أن ينضم عبدالله النديم إلى صفوف الثورة العرابية ويساند أهدافها الوطنية وقد وجد العرابيون فيه سنداً لهم بكتاباته الوطنية الحماسية وانتقل النديم إلى القاهرة ليكون فى قلب الأحداث والتقى بأحمد عرابى زعيم الثورة حيث طلب منه أن تكون صحيفته لسان حال الثورة بشرط أن يغير اسمها إلى اسم أكثر وقارا يلائم عقلية عرابى العسكرية المحافظة وأصدر عبدالله النديم صحيفة " الطائف " من القاهرة لتحل محل " التنكيب والتبكيت " ولتصبح لسان حال الثورة العرابية وخلال أسابيع قليلة أضحت الطائف أهم الصحف المصرية على الإطلاق.
وخلال الثورة العرابية أو كما يسميها العوام "هوجة عرابى" برز إسم النديم كخطيب للثورة، يلعب الدور الأبرز فى تحريك مشاعر الجماهير والجنود، ويلف البلاد طولها بعرضها محركا ومهيجا وخطيبا لها، والمعبر الأول عن أفكارها.
وبعد انكسار عرابى وفشل الثورة هرب النديم هائما فى قرى مصر وصقوعها متخفيا فى عدة شخصيات يحتمى بالبسطاء من أبناء هذا الشعب فى قصة هروب ملحمية طويلة، لمدة تسع سنوات كاملة قضاها بين أحضان الشعب الذى حماه بالرغم من رصد قوات الإحتلال مكافأة ضخمة (عشرة الآف جنيه ) لمن يدلى بمعلومات تؤدى الى القبض عليه، هذه القصة التى سجلها الكاتب العبقرى للراحل "ابو المعاطى أبو النجا" فى روايته الفريدة العودة الى المنفى، لينتهى به المطاف فى طنطا ويتم القبض عليه وعرضه على وكيل نيابة وطنى هو الشاب وقتها "قاسم أمين" الذى يعانقه ويقبله فى مشهد من أروع مشاهد الوطنية المصرية.
أحب النديم الشعب فأحبه الشعب، وحماه بنور العين حتى أن الكثيرين ممن التقوا بالنديم في تلك الفترة وعرفوه ترفعوا عن الصغائر، ولم يبلغوا عنه، بل ساعدوه على قدر الإمكان، بل أكثر من هذا كان بعض المسئولين في جهاز البوليس يتسترون على النديم إيمانًا بالثورة وحبًا في النديم كإنسان أيضا، فمأمور مركز السنطة يقابل النديم وجهًا لوجه ولا يقبض عليه مخاطرا بوظيفته كمأمور، بل ويمنحه مالا من جيبه ليساعده في هروبه، وكاتب مركز السنطة أيضًا،- وكان النديم مختفيًا في قرية الجميزة مركز السنطة- يعرف أين يوجد النديم فيكتب إليه أبياتاً من الشعر تقول
ولقد نذرت إذا لقيتك سالما لأقبلن مواطئ الأقـــدام
ولأثنين على سجاياك التي حثت على التحرير والإقدام
وبعد القبض على النديم فى طنطا أمر الخديوى توفيق بالعفو عنه لإنقضاء العقوبة ونفاه الى عكا بفلسطين وبعد تولى الخديوى عباس حلمى الثانى الحكم عفا عنه فعاد الى مصر واصدر صحيفة "الاستاذ" ذات الروح الوطنية مما أوغر عليه صدر اللورد كرومر المعتمد البريطانى فيؤمر بنفيه الى الأستانة ، وهناك يواصل نضاله الوطنى ويصاب بمرض السل ليموت وحيدا ويدفن هناك.
تلك الرحلة الطويلة لرائد فذ من رواد الحركة الوطنية المصرية وهب حياته وروحه حتى آخر رمق فى حب هذه الأرض والدفاع عنها ضد سيطرة الأجنبى ورأس المال عليها.
وأخيرا أليس من حق مصر أن تطالب بعودة رفات النديم ليدفن فى أحضان هذا الوطن الذى أعطاه حبه وحياته دفاعا عنه، فى إعتقادى أن حكومة السيد أردوغان لن تمانع فى عودة رفات هذا البطل ليعاد دفنه فى حفل شعبى ورسمى يليق به، أم أنها فقط تطالب بعودة الآثار المسروقة وتنسى تاريخ واحد من أبطال مصر العظام القائل:
أهل البنوكا والأطيان
صاروا على الأعيان أعيان
وابن البلد ماشي عريان
ممعاه ولا حق الدخان
Monday, October 26, 2009
اسكندرية

عروسة حلوة وصبية
عالبحر الابيض تنوّر
تضوى كما الكهرمان
والحب يملا المكان
ويعدى كل البحور
ينشر حضارة ونور
فى كل عصر وأوان
وبسحر عينها الشقية
تسبى عموم الخلايق
من الصعيد للمضايق
والمستخبّى يبان
وبكف ايدها العفية
تزرع غيطان المحبة
وتخّلى ورد الحدايق
بعطره يملا المكان
يطرح على الانسانية
ضل ومحبة وأمان
يا اسكندرية يا روحى
يا حب ساكن جروحى
ارمى السلب الحقينى
دا نا غريق من زمان
أنا قتيلك وقلبى
شايل حمولك معبّى
والعشق لو حوصفولك
يفتح جميع البيبان
يام العيون الجريئة
يا مالكة كل الحقيقة
من يوم ظهور الخليقة
لحد آخر الزمان
قوليلى وصفة لدائى
تنفعنى يوم التلاقى
ماللّى مضى واللّى باقى
من عمر عدى وكان
Friday, October 02, 2009
الحب المستحيل

وتنسانى
وتتركنى لأحزانى
وتنسى ان تكون عرفتنى يوما
وعشنا وهم قصة حب
عليك الآن أن تنسى
وتمحو كل ما قد كان فى الماضى
وتنساه وتنسانى
فمثلك بُعده أفضل
ومثلك يستحيل العيش فى قربه
وظل الحيط أفضل منك
إذن فارحل ولا تبقى هنا لحظة
فكل الحب كان سرابْ
وأكذوبة
فدعنى كى أعيش الآن
وفك إسار أغلالى
أغرد فى الهواء الطلق
وأحلم بالحياة بدون قيد منك
أو غيرك
Thursday, September 24, 2009
ذكريات هزيمة

كان العام الأول لى بمدينة الأسكندرية، كنا فى نهاية العام الدراسى ( إعدادى طب) فى كلية العلوم بالشاطبى، ذلك الحى الراقى الهادئ، كنت وزميل الطفولة جمال عبد الفتاح نسكن معا بشارع تانيس بكامب شيزار، كان الوالد يرسل لى عشرة جنيهات شهريا يقتطعها كما يقولون من اللحم الحى، أدفع منها أربعة للسكن، وتبقى ستة جنيهات للمأكل والملبس ومصاريف الدراسة، كنا نطوى أوراق الدراسة إستعدادا لإمتحان نهاية العام حينما بدأت الأحداث بالتصاعد، عبد الناصر يؤمر بإغلاق خليج العقبة فى وجه الملاحة الإسرائيلية، طلب مصر الى الأمم المتحدة بسحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء، حشد القوات المصرية فى سيناء، تصاعد محموم فى المواقف والتصريحات، ونذر الحرب تلف المنطقة.
الحشد الإعلامى يتصاعد الى الذروة، المعنويات فى السماء، الأغانى الثورية تملأ المكان، " أحلف بسماها وبترابها"، " عبد الناصر ياحبيب ..بكرة ندخل تل أبيب"، " فى البحر حنحدفكم فى البحر"، وصوت أحمد سعيد يجلجل فى صوت العرب، رسائل التأييد تنهال على عبد الناصر، فجأة يصل الى القاهرة الملك حسين بعد طول عداء، يوقع اتفاقية بوضع قواته المسلحة تحت تصرف عبد الناصر، ويعود الى الاردن بصحبة عدوه اللدود أحمد الشقيرى رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، كانت القناعة الوحيدة لدى الجميع بنصر حاسم وسريع وإزالة الكيان العنصرى،واعتبار ان هذه الحرب مجرد نزهة.
كان نظام السكن المفروش للطلبة بالأسكندرية من شهر سبتمبر الى نهاية شهر يونيو، ويترك الطلبة السكن فى أشهر الصيف لكى يستمتع به أصحابه أو يؤجرونه مصيف، كانت امتحانات الجامعة لهذا العام تنتهى قبل منتصف يونيو، كنا خمسة أفراد بالشقة، أنا وجمال فى غرفة، الثانية بها طالبين من بورسعيد، أما الثالثة فكان فبها موظف فى شركة المقاولين العرب من قريتنا اسمه "عبدالله الحاذق"، آثر الزملاء فى الشقة أن نغادرها فى منتصف الشهر تقليلا للمصاريف، بحيث يتم دفع إيجار نصف شهر فقط، وافق البواب (المؤجر)على ذلك، ولكن فى صباح 5 يونيو إشتعلت الحرب، وأعن توقف الدراسة والإمتحانات، قرر الزملاء مرة أخرى الرحيل المباشر الى مدنهم وقراهم، تم إستدعاء البواب على عجل، ودفع ايجار الخمسة أيام، وغادروا مسرعين، بينما قررت البقاء.
فى الطريق الى الجامعة كانت المظاهرات صاخبة، كلما إقتربت من مبنى الإعدادى بالقرب من مبنى اتحاد طلاب الجامعة بالشاطبى كانت التجمعات تكبر والمظاهرات تزداد حدة، انضممت الى احدى المظاهرات، كانت الشعارات المرفوعة تزداد هستيرية مع كل اعلان عن اسقاط طائرة اسرائيلية جديدة، بلغ العدد المعلن عنه 75 طائرة، الحناجر تزداد التهابا، أنزلت الجموع احد المتظاهرين الذى يردد" عبدالناصر يا حبيب..بكرة حندخل تل أبيب" ورفعت آخر أكثر إستعجالا يردد"عبدالناصر يا حبيب..دلوقتى إحنا فى تل أبيب"، توجهت الجموع وأنا معهم الى الداخل لتسجيل الأسماء فى كشوف التطوع، تم تقسيم المتطوعين الى مجموعات، جاء إسمى فى مجموعة للتدريب بمبنى مدرسة النصر للبنين بالشاطبى.
كان عددنا حوالى الثلاثمائة ويقوم على تدريبنا عميد من الدفاع المدنى مع عدد من الضباط والصف ضباط، تم تسليمنا بنادق آلية، وذخيرة حية، وبدأ تدريبنا النظرى على فك وتركيب البندقية مع دراسة مكوناتها، مع محاضرات نظرية عن المقاومة الشعبية، وبرامج تعبئة معنوية، بعد يومين تم تقسيمنا الى مجموعات صغيرة للقيام بالحراسة الليلية لبعض المنشآت الحكومية، كانت مجموعتى مكلفة بحراسة مصنع بيرة الأهرام"ستيللا" بكامب شيزار.
كنا مجموعة مختلفة المشارب والإنتماءات، وكان معنا متطوعون من الطلبة العرب الدارسين فى مصر، لكن تجمعنا معا الروح الوطنية المتوقدة، والرغبة فى تقديم اى شيئ من أجل المعركة، بعد مرور اليوم الثانى بدأت بعض الأخبار غير المطمئنة، حديث عن الإنسحاب الى خط الدفاع الثانى، كلام عن صد هجوم اسرائيلى مدرع شمال العريش، بدأت الهواجس والأفكار تحوم حول شيئ ما غير طبيعى يحدث، لكن العقول المفعمة بالحماس والواثقة من قيادتها حتى النخاع تأبى أن تصدق هذه الإشارات، لابد أن هنالك شيئ ما يدبر لا نعلمه، ربما ما يحدث تكتيك حربى سرعان ما نعرف كيف تم التخطيط له، لكن بقى فى النفس شيئ.
يوم الثامن من يونيو سهرنا حتى الصباح أيضا، قضينا ليلتنا فى الشارع فى نوبة حراسة، حاول البعض كسر حدة الموقف ببعض السمر، لكن البهجة تجمدت فى العيون، سرعان ما لف الجميع نوبة صمت.
فى اليوم التالى إستمرت التدريبات فى المعسكر، كان الجميع يتحرك بآلية، دون القدرة على النظر فى عيون بعضنا، توقفت الإذاعة والتلفزيون عن القاء البيانات العسكرية الحماسية، بدأت تذاع أغانى وطنية ومارشات عسكرية، أغانى معظمها تمجد الروح الوطنية مثل"مصر التى فى خاطرى" و"وقف الخلق جميعا" لأم كلثوم، و مثل "وطنى أحببتك يا وطنى" و" أخى جاوز الظالمون المدى".
فى حوالى الثالثة بدأ يذاع بيان يتكرر كل دقائق عن حديث للرئيس عبد الناصر فى الثامنة مساءا، بدأت القلوب ترتجف، كان خيط الأمل الضعيف الباقى أن يعلن الإنتصار العظيم على إسرائيل، بدأ قائد المعسر فى التهيأة للحدث، طلب منا التجمع فى قاعة التلفزيون للإستماع الى الخطاب، منذ السادسة بدأنا فى التحولق جميعا حول الشاشة الصغيرة، لم يتأخر عن الموعد، أطل بوجه مكفهر مهزوم، بصورة لم نتعودها سابقا، وبعبارات حزينة وصوت مجروح ليعلن الهزيمة، وكما سماها وحاولوا ترويجها "النكسة"، وليعلن عن تنحيه وتكليف"زكريا محيى الدين" برئاسة الجمهورية، لحظتها بدأ جميع الحاضرين بالنحيب بصوت مسموع، سرعان ما تحول النحيب الى عويل، حدثت حالات إغماء، وحاول أحدهم إطلاق النار على نفسه، لكن قائد المعسكر تصرف بشكل حازم ومسئول، بصوت عال وحاسم خاطب الجميع، أن يتوقفوا عن هذا الإنفعال ويتصرفوا كرجال، وطلب منا أن ننتظم فى طابور العلم، حيّا العلم وهتف بحياة الجمهورية العربية المتحدة وبحياة رئيسها زكريا محيى الدين، كانت أصوات الناس فى الشوارع تعلو، وسمعنا أصوات مظاهرات من بعيد، أدرك قائد المعسكر الموقف، قال اننا لا نعرف ما يحدث الآن فى الشارع، ولا نعرف ردود فعل الناس، ربما يحاولون الهجوم علينا للحصول على السلاح، وطلب منا الإنصراف فى هدوء، وتجنب السير فى الشوارع الرئيسية خوفا من غضب الجماهير، على أن نعاود التدريب صباح الغد.
سرت فى شوارع الأسكندرية حاملا بندقيتى على كتفى فى طريقى الى البيت، الشوارع مظلمة تماما لحظر الإضاءة، هدير الجماهير ينساب من كل الجهات، الصراخ يختلط بالعويل بالهتاف بالبكاء، حالة من الهيستيريا لا يمكن وصفها، وشعور بالتعب والإرهاق والإعياء يسيطر على، فكرة واحدة تلح على بقوة، هذا الرجل هو المسئول عن كل ماحدث، فليذهب الى الجحيم، لقد خدعنا جميعا ولا يمكن أن يخدعنا ثانية.
وصلت الى المنزل فى شارع تانيس، الشارع مظلم، البيت مظلم، السلالم مظلمة، أجّر قدمى بالبيادة الثقيلة على السلم، أتحسس ثقب المفتاح فى الظلام، أدلف الى الشقة مغلقا الباب بقدمى، أتقدم الى غرفة نومى، ألقى بنفسى على السرير بملابسى الميرى والحذاء، وأنهار فى بكاء طويل.
لا أعرف كم من الوقت بكيت، ولا متى غلبنى النوم، فتحت عينى على نور النهار يملأ المكان، وصوت المظاهرات فى الشارع لا ينقطع، شعرت برأسى ثقيل، وضعت رأسى تحت الحنفية لمدة، تحركت ببطأ لألبس ملابسى، وجدتنى فى محطة مصر، ركبت القطار عائدا الى قريتى.
Thursday, June 18, 2009
دكان شحاتة .. والواقعية المصرية

فكما شق روسيللينى وفيسكونتى ودى سيكا الطريق الى الواقعية الإيطالية فى أربعينيات القرن الماضي والتى تميزت بنزوعها نحو تصوير الواقع كما هو بأدوات إنتاجية بسيطة وبممثلين فى الأغلب غير محترفين والتى نزعت الى التصوير الخارجي أو الميداني.
على أن سمات هذا الشكل الواقعي الحديث فى السينما المصرية هو اختفاء اللقطات الطويلة الثابتة والديالوجات الطويلة لحساب سرعة حركة الكاميرا وتطور المونتاج, كما لم يعد للرقصات والأغاني الطويلة مكان وصار الإعتماد أكثر على الكليب المصور مع خروج الكاميرا أكثر ورصدا حركة الشارع فيما يشبه اللقطات التسجيلية والوثائقية, وكذلك التجرؤ على المحرمات الثلاث ( الجنس والدين والسياسة ), وقد شق هذا الطريق باقتدار المخرج العالمى يوسف شاهين فى مرحلته السينمائية الأخيرة, وأكمله مجموعة متميزة من المخرجين الشبان وعلى رأسهم خالد يوسف والذى ما زال يغرد بعيدا على القمة, مستفيدا من إمكانية حرفية عالية, وتوظيف لهذه الإمكانيات بأعلى درجة, مع رؤية درامية منسجمة مع فكره السياسى الذى يعلنه بصراحة ووضوح دائما, وإقتحامه المباشر للأحداث الساخنة والملغومة بجرأة يحسد عليها, مع إستفادته من مستوى عال من التأليف السينمائى لناصر عبد الرحمن, الذى كتب له سلسلة أفلامه الأخيرة ومنها "دكان شحاتة". ومع متابعتنا لشريط الفيلم نجد أن أعلى منطقة فيه هى الربع ساعة الأولى مع نزول تتر الفيلم ومانشيتات الصحف واللقطات الثابتة للأحداث السياسية والإجتماعية التى مرّت بها مصر منذ نهاية عصر السادات وبدأ الشريط بالعنبرة فى السجن احتفالا بخروج شحاتة بعد انتهاء سجنه, وبخروج "شحاتة" وصدمته الأولى بإقتحام الجياع لقطار يحمل شحنة قمح مع عجز الأمن المركزى عن التدخل, تبدأ الدهشة أو الصدمة الأولى بحجم التغيير.
على أن خالد يوسف كعادته فى أفلامه السياسية الأخيرة ( فوضى وميسرة) يحاول أن يحشد كل ما يشغله من موضوعات وما يراه من مشاكل فى شريط واحد, هذه المشاكل التى تتعلق بانهيار القيم وتدهور الإقتصاد والتخلف الإجتماعى, متمثلا ذلك فى انهيار الخدمات الصحية (وفاة أم شحاتة, مرضى الأورام...), والتعليم (تحرش الأساتذة بالطالبات والدروس الخصوصية....), العنف ضد المرأة (مشهد فض بكارة بيسة, ميراث المرأة...), الفساد السياسى (تزوير الإنتخابات, التطبيع...), الإنهيار الإقتصادى والقيمى (بيع مياه الشرب بالقرى, معارك الخبز....), وعشرات الموضوعات (العبّارة, الدويقة, حريق مسرح بنى سويف, اقتحام معبر رفح, حريق قطار الصعيد, أحداث الأمن المركزي...).
تم حشر كل هذه الموضوعات وغيرها الكثير من خلال فيلم حوالى الساعتين متناولا مساحة زمنية تمتد من 1981إلى 2013 حيث ينتهي الفيلم بصورة شديدة السوداوية لعمليات قتال بالجملة فى الشوارع يشارك فيها الجميع ضد الجميع بالأسلحة البيضاء, فيما يشبه الحرب الأهلية, وبطريقة تبشر بالخراب القادم فى الأعوام القليلة القادمة بطريقة شديدة التشاؤم مع عدم رؤية أى بصيص ضوء فى نهاية النفق.
يرمز المؤلف والمخرج بالطبع بالدكان الى مصر, والتى تركها الأب أمانة فى يد أبنائه, ليبيعها ابناؤه الأشرار بواسطة الغير(ابن الدكتور مؤنس) القادم من وراء المحيط (أمريكا؟), الى عدوهم, ليرتفع عليها العلم الإسرائيلى كسفارة للإسرائيل فى مصر, بعد أن استلبوا ميراث أخوهم الطيب واغتصبوا خطيبته.
والفيلم عبارة عن خلطة مكثفة من العنف والجنس كتوليفة تجارية ناجحة تم استخدامها بتقنية عالية لإحداث أكبر فرقعة وجذب المتفرج الى شباك التذاكر, الجنس الذى جسّدته أحدى اشهررموز الإغراء فى العالم العربي (هيفاء وهبي ) بطريقة مقحمة ومفتعلة, مثل الرقصة الخليعة لخطيبها وهى البنت الصعيدية أو الحلم الذى جمعهما فى السرير معا.
كما كان للعنف والمعارك المجانية وغير المبررة نصيب كبير فى الفيلم, استعرض فيها المخرج مواهبه الفنية بطريقة مبالغ فيها, فهذا الإنسان الطيب الى حد البلاهة "شحاتة" يفاجئنا بإمكانيات قتالية غير عادية, لا ندرى متى وأين تعلمها, حتى أن شخصية هامشية مثل" البرص" يملك أيضا مواهب قتالية استعراضية, معارك يعمد المخرج الى إقحامها على الفيلم بمناسبة ودون مناسبة.
القصة كما حاول المخرج والمؤلف الايحاء بها هى توليفة من قصة سيدنا يوسف وإخوته, وتفضيل الأب لأحد أبنائه على بقية اخوته, مما أوغر صدورهم عليه, وأشعل الرغبة فى الانتقام منه, ومن قصة قابيل وهابيل, أو الشر فى مقابلة الخير, وغيرها.
حاول خالد يوسف فى هذا الفيلم كما فى أفلامه السابقة أن يؤكد وجهة نظره السياسية, وهى وجهة نظر أحادية الجانب وساذجة, وملخصها أنه بوفاة عبد الناصر وصعود السادات الى السلطة أنهار كل شيء, الاقتصاد والسياسة والقيم والأخلاق, والذى لم يدركه أنه وبرغم الفروق بين الرجلين الا ان الثانى هو امتداد للأول بصورة أخرى, وأن التطور التاريخى عملية معقدة لا تتم بشكل مباشر ولكن بشكل حلزوني صاعد, عموما ليس هذا مجال التنظير, ولكن احتفاظ الأب بصورة عبد الناصر, ومحاولة الابن أن يغطى بها الشرخ الذى أحدثه السادات فى جدار مصرولكن الشرخ كان أكبر من أن تغطيه صورة الزعيم , ومشهد شحاتة وهو ينظر الى صورة عبد الناصر فى ويقول(وحشتنى قوى يا بوى).
عموما يحسب لهذا الفيلم الكاميرا الجميلة والمتقنة لأيمن ابو المكارم, وكذلك ديكور حامد حمدان الذى جسد من خلال الدكان والقصر فى صور متقابلة وحقيقية, أما التمثيل فقد أجاد محمود حميدة فى دور الأب حجاج, وغادة عبد الرازق فى دور الأخت المغلوبة على أمرها نجاح, وأعجبنى كذلك صبرى فواز فى دور "طلب",أيضا رامى غيط فى دور " البرص", كما لعبت موسيقى يحيى الموجى وغناء أحمد سعد دورا شديد الحيوية فى الفيلم , كما كان لأشعار "جمال بخيت الرائعة والتى فاجئتنا بقوتها وقسوتها معا دورا أساسيا فى إكمال الإحساس بالواقعية المجردة..
سقطت هيفاء وهبى فى أول إختبار لها على الشاشة, وعموما فقد وظّفها المخرج كعنصر إغراء وجذب الى شباك التذاكر, ولكنها لم تستطع أن تملأ هذا الدور, شتان بينها وبين الفنانة المبدعة هند رستم فى أعمال مثل "باب الحديد", ولكن مما يحسب لهذه الممثلة أنها تحاول رغم محدودية موهبتها أن يكون لها مكان على الساحة الفنية, من خلال ذكائها الإجتماعى واستغلال إمكانياتها الجسدية, كما كان عمرو سعد أشبه بالبلهاء والمغيب عن الواقع المحيط به, ولم يقنع أحدا بدور الطيبة الذى حاول المخرج أن يرسمه له, بل كان أشبه بالمتخلفين عقليا, وجاء تقليده لأحمد زكى فى المشاهد الأخيرة باهتا.ا.
كذلك فإن تصميم المخرج أن يجعل من فنان جيد مثل عمرو عبد الجليل بلياتشو أو مهرج من حيث طريقة النطق بكلمات مقلوبة وغير مفهومة تماما كما صنع معه في فيلم حين ميسرة هو شيئ سيئ ويحسب عليه وليس له.
كما أن لقطة الدراويش فى حلقة الذكر وتشتيتهم البصرى بسيقان هيفاء وهبى لم يكن لهذه اللقطة داعى, وكان من الأفضل حذفها فى المونتاج مع عدم التأثير على الفيلم.
على أن الفيلم ومخرجه حاولا أيضا أن ملامسة ميلودراميات يوسف بك وهبى ان يحاول إستدرار الدموع فى مشهد النهاية, استكمالا لتيمة الفيلم التجارية.
على أن الفيلم بمحمله جيد ويعد نقطة هامة فى تطور السينما, وعلامة مضيئة على السينما الجديدة فى مصر.
خلاصة القول فإن الشجر المثمر وحده هو ما يتعرض للقذف بالأحجار, ولولا أن هذا الفيلم جاد وجيد لما استحق كل ذلك الجدل.
فى النهاية خالد يوسف شكرا.
Tuesday, June 16, 2009
جريشة..حكاية بطل شعبى

وفى الحلم الشعبي فإن البطل دائما قريبا منهم, من نفس مستواهم االطبقى, وهو دائما يمثل الخير فى مواجهة الشر, و الذي ينتصردائما فى النهاية .
على أن بطلنا هذه المرة هو بطل حقيقي, وليس من صنع الفقراء, إنه إنسان بسيط من سكان حي كرموز الشعبي بمدينة الإسكندرية, لم يتعلم فى مدرسة أو جامعة, بل علمته الحياة بكل مرارتها وقسوتها, وتعلم من الشارع ومن ظلم البشر, الغريب أن هذه الحياة القاسية التى عاشها لم تجعل منه انسانا عدوانيا , بل عاش حنوا على أبناء منطقته جميعا, فقيرهم وغنيهم, ضعيفهم وقويهم, بلا تمييز ولا إستثناء.
عاش "جريشة" يتيم الأبوين, لم يكفله أو يربيه أحدا, نشأ كنبت شيطانى, يحن عليه البعض ويركله البعض بأقدامهم, عرف ليالى الجوع الطويلة, نام فى برد يناير على الرصيف, وتعرض لكل أنواع الإيذاء والتحرش,
وتعلم أن ينتزع لقمته من فم الذئاب, اشتغل فى أحط وأدنى الأعمال, فى الخدمة بالمنازل, وفى مسح الأحذية, وفى جمع القمامة وغيرها.
عندما شب عن الطوق بدأ بسرقات صغيرة, كاسيت سيارة, ثياب من على حبل غسيل, لكنه لم يتجرأ على النشل, أو سرقة البيوت, إلى أن عرف طريق الجمرك, وبدأت السرقة من السفن الراسية بالميناء تستهويه, لامست فيه روح المغامرة والمخاطرة والمكسب السريع, سرعان ما على صيته وسطع نجمه, وأصبح واحدا من لصوص الجمرك المشهورين.
تعرض لملاحقة رجال الشرطة, ودخل سجلاتهم كمسجل خطر, أصبح مطاردا, وتحولت حياته الى هارب, فى النهار يعيش فى حيّه ومنطقته محاطا بالناس, وينام بالليل فى مقابر العمود القريبة, والتى تتحول ليلا الى أوكار لعتاة المجرمين, لاتجرأ الشرطة الدخول اليها.
الناس هنا لاتعتبر السرقة من الجمرك خروجا على القانون, بل هذا النوع من اللصوص فى نظرهم أبطالا, أصبح جريشة أشبه بالبطل الشعبى "روبن هود" يوزع حصيلته من السرقات على أبناء منطقته, واشتهر بينهم بالطيبة, يضفى حمايته على الجميع, يحمى بنات حيه من مضايقات الطفوليين, ويحمى سكان المنطقة من عدوان الأراذل, أشبه بعاشور الناجى فى حرافيش "نجيب محفوظ", يحتمى بالفقراء ويحميهم.
فى إحدى الليالى حضرت حفلا شعبيا فوق سطح أحد البيوت هناك, سبوع مولود أقامه قهوجى من المنطقة, كان جريشة ورفاقه حاضرين, عندما بدأ المطرب الشعبى بالغناء, إعتلى جريشة الخشبة, وأمسك بالميكروفون وسط تهليل الجميع ( النقطة دى من جريشة, ومن كل حرامية الجمرك, الرجالة الى بتخطف الجنية من ماسورة البندقية , وأخذ يرمى بالعملات الورقية الكبيرة تحية للفرح وأصحابه.
كان نشاطه بالليل, وفى النهار تراه جالسا على مقهى فى الحى, يوزع ابتساماته وتحياته على الجميع, عندما يشاهد أطفالا يلعبون الكرة الشراب سرعان ما ينزل للعب معهم, وفى نهاية الماتش يشترى صينية بسبوسة, أو صندوق كوكاكولا يوزعه عليهم, وإذا شاهد بائع خس أو فجل يشترى منه كل ما معه, ويوزعه على السكان مجانا।
لم يكن يؤذى أحدا, أو يضمر شرا لأحد, حكى لى "عبد المجيد الخولى" أحد فلاحى "كمشيش" فى سنوات الإبعاد, أنه إشتغل خفيرا لمخزن مواد بناء, وفى إحدى الليالى قبيل الفجر جاءه شخص وحياه, عرّفه بنفسه, كان هو جريشة, قال له أنه بصراحة يمر ببعض الظروف وأنه جاء لسرقة حديد تسليح من المخزن, ولا يريد أن يتعرض له بسوء, بعد حوار قصير اقنعه اعبدالمجيد أنه بفعلته هذه سيضّره, رجع عما إنتواه, وسهر معه ليلتها حتى الصباح
عندما عين للمنطقة ضابط مباحث جديد عرف عنه القسوة والعنف, كان هذا الضابط مصمما على الإيقاع بلصوص الجمرك فى منطقته, حاول أكثر من مرة أن ينصب كمينا لجريشة لكنه فشل, كان جريشة كالثعلب شديد الإحتياط, إحتال الضابط عليه عن طريق إحد البنات الائى يصاحبهن, إستطاعت أن تستدرجه ليلا من المقابر, لم يكن فى نية هذا الضابط القبض عليه, عاجله برصاصة فى رأسه, سكنت بين عينيه
إنطلق الخبر فى شوارع كرموز بسرعة البرق, (جريشة قتلوه), وفجأة وبدون ترتيب إنطلق صراخ النساء فى البيوت, ونزل الرجال والأطفال الى الشوارع, شكلوا مظاهرة كبيرة الى نقطة "الفراهدة" فأحرقوها, ثم إستدار المتظاهرون الى قسم "كرموز" ليشعلوا فيه النار, يحكى لى صديق من سكان الحى أن أمه السيدة الكبيرة التى لم تكن تنزل الى الشارع, نزلت فى هذا اليوم تولول وتهيل التراب على رأسها.
أعلن حظر التجول بالمنطقة, ونزلت قوات الأمن المركزى الى الشوارع للسيطرة على الوضع, قبض على العشرات ورحّلوا الى سجن الحضرة بدون تحقيق, وإكتست المنطقة كلها بالسواد, وفى الجنازة تم القبض على جميع المشاركين, أعلن رفاقه على قبره أنهم سينتقمون من قاتله, ونصّبوا شقيقه "العربى" خليفة له.
قصيدة لم تكتب فى رثاء "جريشة" :
الفاتحة له
عاش.. زى دكر النحل
مات ..زى دكر النحل
نعشه.. يدوبك ع الطريق فايت
باع عمره للكيف والضيوف
كان كل من حياه صديقه
وصحابه يغديهم بلحم الكتوف.
فى جنازته بكيت فيه بنات الحارة
لبست عليه سعدية توب الحداد
وعاصت الندابة بالطين القديم جبهتها
- سعدية ما زالت حورية وإنت فين رايح
سعدية مين بعدك يعول بيتها
Tuesday, June 09, 2009
غنائيات

وشجر عفى.......وسنابل
الشمس تغرب, هيه ما تنطفى
لكن ما بال فيها الرجال
نشفهم الخوف...والهزال...
مرّت سنين صبر وسنين حكمة وسنين إرغام
وما تزال السطوة كل السطوة للحكام
ولا يزال الطيبين يتكربجوا
فى حلمهم بمكان تحت الشمس
* * *
يا بلاد رمتنا للأسى والموات
ما عادشى حتى للسكات طعمه
لإننا بنموت فى نفس اللحظة ميت مرّة
إمتى الرجال الناشفة تنفض خوفها
وتقف تكتل صفوفها
كفى, أضمه لكفوفها
نهد ونقيم من جديد
بلاد
بلاد بلا سجن وبلا جلاّد
بلاد بلا سادة وعبيد
* * *
يابلادى
والإصباح عيون وأيادى
إذا ما عدّى ع الوادى
حيزيح قصاده كل ليل ميت
تتفتح الأبواب
تدب الرعشة فى عروقها لنور الشمس
حنغنى
كما لو كنا بنغنى لأول مرة
ونحب
كما لو كنا ما حبينا بالمرة
يتقابلوا الأصحاب من بعد غيبة طويلة
نفس الإدين المعروقين
نفس العيدان النحيلة
اللى حترسم من جديد
سكة حياة للوطن
Sunday, June 07, 2009
سلطنة عمان..وتوليفة التسامح

بداية فإن الواقع العمانى يتركب من فسيفساء عرقية وإثنية ومذهبية وقبلية شديدة التعقيد, وذلك بسبب الخلفية التاريخية التى تحكم هذا المشهد, فقد احتل البرتغاليين بقيادة البوكيرك عمان فى بدايات القرن السادس عشر واستمر هذا الاحتلال حتى قيام دولة اليعاربة بقيادة الامام "ناصر بن مرشد" الذى إستطاع وابناؤه من بعده طرد النفوذ البرتغالى من سواحل عمان وطاردوه فى الساحل الافريقى وسواحل الهند وفارس.
وبقيام حكم اسرة البوسعيديين بقيادة "أحمد بن سعيد" عام 1738م وإستخدام تسمية السلطنة بدلا من الإمامة بدأت الدولة العمانية فى الإستقرار وتوقفت النزاعات الداخلية, وتم بناء اسطول بحرى قوى استطاع السيطرة على المياه فى المحيط الهندى وتثبيت سيطرته على الساحل الإفريقى فى زنجبار ومومباسا, وبوفاته ونشوب الصراع بين أبنائه على السلطة قويت شوكة الإمامة مرة أخرى وإشتعلت الحروب ليعود نظام الإمامة حينا والسلطنة أحيانا حتى توقيع إتفاقية السيب عام 1920 بوساطة انجليزية والتى تم بمقتضاها تقسيم البلاد بين عمان الساحل تحت سلطة السلطان وعاصمتها مسقط وعمان الداخل تحت سيطرة الأئمة وعاصمتها نزوى. وفى عام 1932م اعتلى الحكم السلطان "سعيد بن تيمور" والذى أكمل تعليمه فى الهند, وفى عهده استمر تدهور الأوضاع واحتدام الصراع مع نظام الإمامة وأغلقت البلاد عن جوارها مع وجود نظام حكم أوتوقراطى بالغ فى استبداده وتخلفه ليحظر على المواطنين الصحف و الراديو والتدخين ومنعهم من التعليم أو السفر او حتى من بناء بيوتا لهم.
فى ظل هكذا أوضاع كان لابد أن تنفجر البلاد ويثور الناس, فعمت الصراعات لتشمل الساحل والصحراء, الشمال والجنوب, الحضر والريف,
واندلعت الثورة فى ظفار.
كانت ظفار وهى أقصى الأقاليم فى جنوب البلاد تحت حكم السلطان اسميا, ولكنها كان دائما لها درجة عالية من الخصوصية وتتمتع بنوع من الحكم الذاتى, وسكانها حادى الطباع, ذوى انفة وعزة نفس, يسمونهم فى عمان "الجبّالة" لسكناهم الجبال, وكانوا دائمى التمرد على المركز, وكان السلطان "سعيد بن تيمور" يقيم بصفة شبه دائمة فى صلالة, وكانت زوجته والدة ابنه قابوس من قبيلة ظفارية, ناهيك عن إعتدال مناخها, وبعدها عن المشاكل فى مسقط.
ولكن فى عام 1963 تجمعت فى هذا المكان ثلاث منظمات صغيرة متمردة فى هى " حركة القوميون العرب"و "الجمعية الخيرية العمانية" و "منظمة الجنود الظفاريين" ليندمجوا معا مشكلين (الجبهة الشعبية لتحرير ظفار) ذات الميول اليسارية, والتى خاضت حربا لا هوادة فيها ضد نظام الحكم بتأييد من الصين ثم الإتحاد السوفيتى والنظام الشيوعى الحاكم فى عدن, وبعض الأنظمة الراديكالية العربية, لتستطيع الجبهة السيطرة على أجزاء كبيرة من اقليم ظفار ولتحاصر السلطان فى مدينة صلالة.
وقد لاقت هذه الجبهة تأييداً واسعاً من مختلف القطاعات نتيجة حالة البؤس والحرمان والضنك الذي كانت تعيشه البلاد. وقد حققت أفواج هذه الثورة انتصارات كبيرة وكادت تقضي على السلطان سعيد بن تيمور فى محاولة إغتيال.
فى ظل هذه الأوضاع المتردية إستطاع الإبن الأوحد للسلطان سعيد أن يدبر إنقلابا على أبيه من داخل سجنه ( كان سعيد بن تيمور قد سجن ابنه قابوس فور عودته من دراسته العسكرية بكلية "ساند هيرست" فى لندن خوفا منه ولإستشعاره ان له ميولا فكرية مع ثوار ظفار).
بعد توليه الحكم في 23 تموز 1970بادر السلطان قابوس إلى جعل اسم «سلطنة عمان» الإسم الرسمي لدولته، وعمد إلى نهج سياسة جديدة قائمة على إزالة كل مظاهر التخلف الشديد التي طبعت عهد السلطان سعيد، والانفتاح على العواصم العربية والأجنبية. وأراد أن يخرج الجيش العماني من مأزقه، فطلب دعماً من الأردن، ثم من المملكة العربية السعودية، وكذلك من باكستان، وفي عام 1973 أرسل شاه إيران حملة عسكرية من آلاف الجنود (مزودة بطائرات هيليكوبتر وسفن حربية)، فنزل قسم منهم في صلالة عاصمة ظفار. وبدأت المعارك مع الثوار. وفي أقل من سنتين، تمكن السلطان قابوس مع هذه القوات من القضاء نهائياً على هذه الثورة الوليدة وليعلن إنتهاء الثورة المسلحة بشكل نهائي فى 1975م وتطوى صفحة ناصعة من النضال الثورى شارك فيها عشرات المتطوعين من الدول العربية.
وقد أعلن السلطان قابوس خلال هذه الفترة أكثر من مرة العفو العام (1972) وحاول صادقا استيعاب خصومه فى جهاز الدولة مثل الدكتور رجب حافظ سلامة من زعماء الجبهة أول وزير للزراعة (إن لم تخوننى الذاكرة) ويوسف بن علوى الذى ما زال يشغل حقيبة الخارجية حتى الآن وكان قائد فصيل الجمعية الخيرية العمانية قبل الإندماج لتشكيل الجبهة.
كما استطاعت سياسة التسامح الحكيمة لجلالة السلطان ان تستوعب الخصوم من جبهة الإمامة وتم تعيين عدد من الولاة والسفراء منهم كما تم تعيين الشيخ العلامة" أحمد الخليلى" على رأس السلطة الدينية كمفتى عام للسلطنة.
على أن أهم ما ميز هذه السياسة هو القدر الواسع من التسامح الدينى, فبالرغم من اعتبار المذهب الإباضى هو المذهب الرسمى للدولة (وهو من أقدم المذاهب الإسلامية ويتسم بالتشدد, وتم الإعتراف به فى ملتقى العالم الإسلامى كثامن المذاهب الإسلامية*), إلاّ أن السياسة الدينية بوجه عام تجاه المذاهب الإسلامية الأخرى ظلت متسامحة الى أقصى الحدود, خاصة تجاه المذاهب السنية الأربعة التى يدين بها معظم أهل عمان.
كما يحظى الشيعة فى عمان وهم أقلية دينية بتمثيل واسع فى جهاز الحكم وفى المجتمع, ويتم الإحتفال بأعياد الشيعة على أعلى مستوى, ويرفع الآذان من على مآذن مساجدهم (أشهد أن محمدا رسول الله, وأشهد أن عليا أمير المؤمنين ولى الله).
كذلك يتعايش المجتمع مع البهائيين بحب وتسامح, يحيون أعيادهم بحرية ويمارسون شعائرهم فى محافلهم بنفس الحرية, كما تكتب ديانتهم فى الجوازات والبطاقات دون أدنى حساسيات.
حتى المسيحيون يؤدون صلواتهم فى كنائسهم بدون مشاكل, وترتفع أجراس الكنائس شاهدة على ذلك, و أصحاب الديانات الأرضية كالهندوس يمارسون طقوس حياتهم بكل حرية, لا يتدخل أحد فى ما يؤمنون به.
كما أن عبيد وإماء الأمس يحيون أحرارا ويشاركون فى بناء وطنهم دون تمييز أو طبقية, يشغلون أعلى المناصب فى الجهازين المدنى والعسكرى.
بالله عليكم الا يستحق أن نوجه تحية إحترام وتقدير لهذا الشعب وقيادته.
المذاهب الإسلامية المعتمدة هى أربعة مذاهب للسنة وثلاث للشيعة بالإضافة للمذهب *

